أخبار عاجلة
الرئيسية / حوارات ناصرية / الجزائر.. ثورة الشهداء: ثلاث صور في صورة واحدة

الجزائر.. ثورة الشهداء: ثلاث صور في صورة واحدة

 

الصورة الأولى:
في إحدى شهور عام ١٩٥٣ وصلت سيارة سوداء إلى مبنى مجلس قيادة الثورة المصرية ، ثورة ٢٣ يوليو من عام ١٩٥٢ الواقع برأس جزيرة الزمالك ، وهو في الأصل نادي اليخت الملكي ، لفاروق ملك مصر السابق والذي أطاحت به الثورة …

كانت السيارة تُقٍل شاباً جزائرياً تبدو عليه ملامح القوة وبهاء الوجه ، فضلًا عن إرادة وتصميم على بلوغ الهدف الذي جاء من أجله إلى القاهرة …

جاء ليلتقي ب ” جمال عبد الناصر ” رئيس مجلس قيادة الثورة والرجل القوي الذي يحكم البلاد …

تّرّجل الشاب القادم من بلاده عبر باريس ، وتوجه بٍصُحبة ضابط شاب عُرٍف فيما بعد باسم  ” فتحي الديب ” إلى قاعة كبيرة أفضت الى غرفة مكتب متوسطة المساحة ، وبدت شديدة التواضع من حيث الأثاث ….

ترك ” ناصر ” المكتب الجالس خلفه متوجهًا لاستقبال ضيفه والترحيب به بكلمات عربية بلهجة مصرية ، غير أنه لاحظ أن رد الفعل على كلمات الترحيب تلك بدت مُتأخرة بعض الشيء من ضيفه الشاب …

كان عُمر الضّيف والمُضيف مُتقاربًا ، فالأول من مواليد ديسمبر من عام ١٩١٦ ، والثاني من مواليد يناير من عام ١٩١٨ ، وبدت الأفكار منذ اللحظة الأولى مُتقاربة والمشاعر الشابة وصلت الى حد التطابق ، فكِلاهُما يسعى إلى الخروج ببلاده من مرحلة كان الاستعمار فيها هو المُسيطر والمُتحكم في وطن كل منهُما ، ولا سيادة للشعب على أي من مقدراته وثرواته وشؤونه ، كان ” ناصر ” وقتها مُنهمكًا في مفاوضات شاقة مع سلطات الإحتلال البريطاني الجاثم على أنفاس مصر منذ سنة الإحتلال عام ١٨٨٢ ، أما الضيف القادم من بلاده فكان يتطلع الى القيادة الجديدة في مصر إلى أن تكون يد المُساعدة والقوة الداعمة لحلم شعبه ، شعب الجزائر ، الذي احتلت أراضيه عام ١٨٣٠ …

جلس عبد الناصر على رأس طاولة تتوسط مكتبه ، وجلس ضيفه في مقابله على نفس الطاولة التي كان يتوسطها الضابط الشاب ” فتحي الديب ” المرافق للضيف ، تكلم الشاب الجزائري والذي بدأ بتعريف نفسه واسمه ” مزياني مسعود ” من مواليد بلدة ” مغنية ” بولاية ” تلمسان ” بالغرب الجزائري ، كان حديثه بالعربية ، والتي بدا فيها مُتعثرًا شديد التّعثُر !!

وبعد فترة من الزمن تجاوزت نصف ساعة ، توقف عن الحديث ، وبدا الدمع يملأ عينيه ، ثم انفجر في بكاء حار ، فاستولت الدهشة على ” ناصر ” الذي انتقل من مكانه الى حيث يوجد ضيفه ، مواسيًا له على عدم قدرته بالحديث بالعربية ، وصعوبة تناول قضايا بلده باللغة التي لا يعرفها إلاّ القليل من أبناء وطنه وخصوصاً الشباب منهم  …

بدت الجلسة مُفعمة بمشاعر إنسانية وعربية جارفة ، فالرغبة في الوصول الى تفاهُم من أجل مستقبل وطن يعاني ، اصطدمت بحاجز اللغة ، فالحديث باللغة  العربية  بين اثنين من شباب الأمة لم يَعُد مُجديًا ، مما رأى ” ناصر ” أنه من الأفضل أن  يستكمل الحوار بالفرنسية التي يجيدها ويتقنها ” مزياني مسعود ” مما دعا المُضيف إلى استدعاء ضابط شاب آخر يجيد أكثر من لغة ، كان يعمل في مخابرات الجيش المصري ، كان اسمه ” علي صبري ” الذي حضر على الفور إلى مكتب ” ناصر ” لتُستأنف جلسة الحوار والاستماع إلى الجزائري الشاب ….

غير أن ثمة فكرة طرقت على ذهن قائد الثورة المصرية ، فقد مال على مُساعده للشؤون العربية ، الضابط  ” فتحي الديب ” سائلًا إياه عن تلك المجموعة الجزائرية التي تتعلم في القاهرة ، وبدأت في ترتيب أوضاعها للعمل من أجل تحرير الجزائر وبالتنسيق مع مكتب ” ناصر ” وبإشراف مباشر من معاونه ، فرد عليه ” الديب ” ببعض التفاصيل والأسماء ، وتوقف عند اسم شاب جزائري آخر اسمه ” محمد بُخروبة ” من طلاب الأزهر الشريف ، ويدرٍس علوم القرآن والفقه والشريعة ، ويجيد اللغة العربية بحكُم دراسته ، فضلًا عن الفرنسية التي يتقنها غالبية الشباب الجزائري ….

هذه المحادثة الجانبية بين ” ناصر ” و ” فتحي الديب ” لفتت نظر الضيف القادم من الجزائر ، مما دعا رئيس مجلس قيادة الثورة المصرية للإعتذار ، غير أنه بادر ضيفه الشاب بالقول وبلهجة مصرية مُحببة الى نفس ” مزياني مسعود ” وقد سبق أن سمعها من بعض الأصدقاء العرب والمصريين أو شاهدها في أحد أفلام السينما المصرية التي ربما شاهدها في الجزائر أو غيرها ….

قال ” ناصر ” ووجهه يَكتسي بابتسامة صافية :

” ماتزعلش ياسيدي ، كل مُشكلة  ولها حل ، ها نجيب واحد بَلدياتك ليحل مشكلة اللغة ، مشكلة الترجمة من الفرنسية اللي أنت تعرفها كويس مع واحد ، يعرف العربية والفرنسية مع بعض ، ثم إن عامل السرية فيما سوف نتفق عليه سيكون متوفرًا ، فبلدياتك شاب لا يقل عنك حبًا للجزائر وشعبها …..”

بدا الشاب ” مزياني مسعود ” فاهماً لبعض ما سمعه من ” ناصر ” لكن الأمر تتطلب تدخل الضابط الشاب ” علي صبري ” لترجمة ما غَمُضَ على فهم الضيف الجزائري ، وعندها اكتملت الفرحة عنده ، فقد تحدد موعد اللقاء بالغد ، فسوف يستكمل عرض قضيته ، ويتعرف إلى واحد من شباب بلاده …

جاء الغد ، وتجدد اللقاء في نفس المكان ، وفي نفس الموعد ، فقد وصل ”  فتحي الديب ” ومعه شاب طويل القامة ، صاحب ملامح حادة ، قوي الإرادة ، واثق الخُطى ، رغم نحافة في القوام ملحوظة ولافتة ،  وكان ” مسعود مزياني ” الشاب الجزائري الآخر قد سبقه في الوصول إلى لقاء ” ناصر ” بصحبة الضابط ” علي صبري ” …

بعد دقائق إلتئم الجمع ، ودخل قاعة المكتب أحد الجنود حاملًا معه ، بعض قطع البسكوت وعدد من أكواب الشاي والقهوة ، وضعها جميعًا في منتصف طاولة الإجتماع وخرج على الفور …

بدأ التعارف قبل الدخول في أي تفصيلات ، وبعد ذلك عرض  ” ناصر ” لما تم بالأمس من حوار بينه وبين ” مزياني مسعود ” وبدا الضيف الجديد ” محمد بوخروبة ” مُدركًا ومستوعبًا لما  يسمعه ، في الوقت الذي بدت نظرات زميله مُثبتة على وجه ” ناصر ” مستوعبًا للكثير مما يقوله …

فقد أدرك  بذكائه الحاد لمضمون ذلك الحديث ، رغم لهجة ” ناصر ” بالعامية المصرية المُحببة الى قلبه ….

 

بعد ذلك دخل الحوار في العُمق وبصورة مباشرة وكاملة ، تحدث ، كلا الشابين ” مزياني ” وزميله ” بخروبة ” والذي تجاوزت مهمته دور المُترجم الى دور المُشارك في الحوار ، فالهم الوطني كان مُشتركاً بين الرجلين ، فقد عرّف نفسه ، بأن اسمه كاملًا هو ” محمد إبراهيم بوخروبة ” من بلدة ” مجاز عمار ” التابعة لمدينة ” قالمة ” بمنطقة القبائل ، ومن أسرة فقيرة كثيرة الأولاد ، غير أن عمه ” الطيب بوخروبة    وبمساعدة والده ” إبراهيم ” وجدا في الصبي المولود عام ١٩٣٢ ذكاءاً حاداً وقدرة مُذهلة على الحفظ ، فقد حفظ القرآن الكريم في سن صغير ، مما دفع والده وبتشجيع من شقيقه ” الطيب ” إلى استكمال دراسته في مصر بالأزهر  الشريف …

هنا تدخل ” فتحي الديب ” في الحديث ووجه كلامه إلى ” ناصر ” وإلى ” مزياني مسعود ” ليستكمل مهمة التعريف بالشاب الذي بدا على معرفة  كاملة بتفاصيل حياته ، تحدث مُبتسمًا وقال موجهًا حديثه إلى كُلّاً  من ” ناصر ” و” مزياني مسعود ” :

” سيادة الرئيس ، الأخ مزياني ، أحب أن أقول أن الأخ ” بوخروبة ” صاحب إرادة حديدية ، رغم نحافة جسمانه ، فقد قّرّرّ الهرب من الجيش الفرنسي والتوجه رأساً إلى مصر ، لكن المشكلة هو كيف يأتي إلى القاهرة ليُحقق حلم حياته في الدراسة بالأزهر الشريف وهو الفقير المُعدّم ؟؟؟ قرر وبعض من زملائه ومنهم صديقه ” بن شيروف ” التوجه إلى تونس ومنها إلى ليبيا بدون جواز سفر والوصول إلى الحدود المصرية ، وعندما سأله زملائه عن كيفية التوجه عبر ثلاثة أقطار دون أوراق رسمية تمكنهم من الوصول الى القاهرة ؟!!

فما كان أن بادر أخينا ” محمد ” بإخراج خطته للهروب مُرفقاً معها خريطة دقيقة بِعدة منافذ على الحدود سبق أن شرحها له  عمه ” الطيب بوخروبة ” الذي أدى فريضة الحج سيرًا على الأقدام ، قاطعاً مسافات هائلة حتى وصل إلى الأراضي المقدسة ليحقق حلم حياته بزيارة البيت الحرام ، ومسجد رسول الله … “

هنا تدخل الشاب ” محمد بُوخروبة ” موجهًا حديثه إلى الرئيس ” عبد الناصر ” قائلًا له سيدي ، كلما سألني واحد ممن اتفقت معهم على الدراسة بالقاهرة عن كيفية التوجه إلى مصر ، كنت أقول لهم لا أملك من أمري شيئاً ، سوي ملابسي وتلك الخطة وهذه الخريطة للهرب إلى مصر ، خطتي هي جواز سفري … هل أنتم مستعدون لرحلتنا التي سنحقق بها أملًا في الخلاص من محتل كريه وبغيض ؟؟؟ “

كان ” ناصر ” ومن معه على درجة عالية من الانتباه والتركيز ، فقد أحسّ أن ثمة تاريخ يتشكل لوطن عظيم ، هو الجزائر العربية الشقيقة ….

كان الإدراك الإنساني بتلك اللحظة لافتًا وواضحًا عند الجميع ، فقد تحدث ” مزياني مسعود ” عارضًا  لبعض أفكاره ومطالبه في مساعدة مصر في معركة التحرير ، تحدث كثيرًا بفرنسية  مُتقنة مع بعض مُفردات عربية كان  يطمئن إليها ، وعندما ينطقها بنجاح كان يتبعها بابتسامة تملأ وجهه البهي ، الأمر الذي يُشيع جوًا من السرور والفرح على اجتماع جاد بطبعه وخطير بهدفه…

تبادل الجميع وجهات النظر وحددت الوسائل والأهداف والغايات ، واتفقوا جميعًا على ضرورة بداية الحشد من شباب الجزائر الذين يدرسون في القاهرة ، سواء في الأزهر الشريف أو جامعاتها المختلفة ، فقد كان عددًا كبيرًا منهم أعضاء في حزب الشعب الجزائري الذي أسسه الزعيم الجزائري الكبير ” مُصالي الحاج ” …

فقد أفصح ” مزياني مسعود ” عن انتمائه لهذا الحزب ، وكانت المفاجأة أن زميله ” بوخروبة ” كان من كوادر هذا الحزب أيضا…

انتهى الاجتماع الذي وصفه ” مزياني مسعود ” بعد ذلك بسنوات طوال ، أنه الإشراقة الأولى لاندلاع  ثورة الجزائر من القاهرة، ووصفه زميله ” محمد بوخروبة ” أنه الخطوة الأولى لطريق الحرية ، أنه الزواج الرسمي بين الحلم والواقع ” ….

اندلعت الثورة وخاض الشعب الجزائري ثورته المجيدة ، بقيادة قائد تاريخي اسمه ” مزياني مسعود” أو ” أحمد بن بيلا ” أول رئيس للجزائر المُستقلة ، وزميله ” محمد بوخروبة ” أو ” هواري بومدين ” ثاني رئيس لبلاده ….

عاشت الجزائر وعاشت مصر ورحم الله الجميع ، شهداء وقادة كبار..

الجزائر.. ثورة الشهداء: ثلاث صور في صورة واحدة  (٢-٣)

الصورة الثانية

في الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر عام ١٩٥٤ ، كانت مصر تمر بمرحلة حرجة وخطيرة ، فقد تعرض زعيم الثورة لمحاولة اغتيال على أيدى بعض أعضاء الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين ، كانت المحاولة الفاشلة في يوم ٢٦ أكتوبر من نفس العام ، وفي ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية ، كان ” عبد الناصر ” يخطب في الآلاف من المصريين ليشرح لهم أهمية الالتفاف الوطني حول الثورة ، خاصة بعد النجاح في إبرام اتفاقية  الجلاء مع الحكومة البريطانية ، لتطوى صفحة من الإذلال  الوطني ويخرج أكثر من ثمانين ألف من جنود الاحتلال من قواعدهم في منطقة قناة السويس ، وفجأة دوت عدة رصاصات من واحد من أعضاء جماعة الإخوان لتستهدف زعيم الثورة المصرية.

 

فشلت المحاولة الآثمة ، وعاد ” عبد الناصر ” إلى القاهرة ، وإلى مكتبه في مجلس قيادة الثورة في رأس جزيرة الزمالك ، وكان أمامه عشرات الملفات العاجلة ، منها ما هو داخلي ، وكان أهمها  ما يتصل بترتيبات إتمام الانسحاب العسكري من مصر ، والذي حددت آخر مراحله في الثامن عشر من يونيو عام ١٩٥٦ ، بخروج آخر عسكري بريطاني من معسكر ” الشلوفة ” القريب من مدينة الإسماعيلية ، ويرفع العلم المصري عليه ، ويسمى منذ ذلك الوقت ب ” معسكر الجلاء”

غير أن ثمة ملفات عربية ودولية كان على ” ناصر ” أن يتابع  العمل والمتابعة بشأنها ، كان الملف الجزائري هو أهمها على الإطلاق ، فقد كان لقاء ” ناصر ” بكل من ” مزياني مسعود ” والذي سُميّ بعد ذلك باسم ” أحمد بن بيلا ” وزميله الذي تعرف عليه لأول مرة في القاهرة وفي حضور رئيس مجلس قيادة الثورة المصرية وعدد من معاونيه ، ” محمد إبراهيم بوخروبة ” والذي اتخذ اسما حركيًا نضاليًا هو ” هواري بومدين ” أو ” سي الهواري ” .

كان هذا اللقاء هو الميلاد الفعلي للثورة الجزائرية ، فقد انقضت تلك الشهور القليلة التي فصلت بين هذا اللقاء الذي جمع ” ناصر ” وعدد من معاونيه بكل من ” بن بيلا ” و ب ” بومدين ” في التحضير لبدء عمليات انطلاق الثورة  المسلحة ، فقد تولت المخابرات العامة المصرية نقل العشرات من شحنات السلاح إلى الجزائر عبر الحدود المُشتركةْ مع ليبيا ومنها إلى تونس ، وقد ساعد في ذلك أن احتضنت القاهرة ” لجنة تحرير المغرب العربي ” التي كانت تضم مُمثّلين لحركات التحرير في كل من : ليبيا وتونس والجزائر والمغرب ….

في حوالي الساعة الحادية عشر صباحا ، من أحد الأيام  الأخيرة من شهر أكتوبر عام ١٩٥٤ ، وصل عدد من معاوني ” ناصر” إلى مكتبه في مجلس قيادة الثورة ، كان من بينهم  ” زكريا محيي الدين ” عضو مجلس قيادة الثورة ، والمسئول عن جهاز المخابرات العامة ، الذي مرّ على إنشاءه والإشراف عليه ، عدة شهور لا تتجاوز عاما فقد تأسس في نفس العام ، عام ١٩٥٤ ، وكذلك وصل عدد من معاونيه منهم الضابط ” فتحي الديب ” و ” علي صبري ” مدير مكتب ” ناصر ” وأكثر معاونيه كفاءة ومقدرة ، وضابط شاب جديد من جهاز المخابرات الناشئ اسمه  ” عزت سليمان ” فقد حضر بوصفه حاملا  لصفتين ، أنه المسئول المُكلف  من الجهاز بالإشراف على نقل السلاح إلى الثوار في الجزائر ، فضلا عن أنه المُساعد المباشر لزميله ” فتحي الديب ” مسئول  الشئون العربية في مكتب ” عبد الناصر”

عبد الناصر وزكريا محي الدين
عبد الناصر وزكريا محي الدين

بدأ ” ناصر ” الاجتماع الذي ضم هذا العدد المحدود من الرجال ، وكانت كلماته واضحة

“لقد أطلعني الأخ ” زكريا ” على آخر برقية وصلته من الأخوة في الجزائر ، عن اختيارهم لساعة الصفر لانطلاق الثورة ، نتمنى لهم كل النجاح ، وكما تعرفون أن معركة تحرير الجزائر هي معركة تحرير مصر ، ليس هناك أي تناقض بين إتمام الانسحاب البريطاني من منطقة القناة ، وبين حتمية انتصار الشعب الجزائري على المحتل الفرنسي الذي اقترب وجوده الكرية والبغيض في الجزائر من ١٣٠ عاما”.

بعدها توقف ” ناصر ” عن الحديث ، وأعطى زميله ” زكريا محيي الدين ” الكلمة ، والذي أخرج بدوره ورقة مكتوبة بخط اليد من ملف كبير يضم عشرات الأوراق المُرتبة  بصورة جيدة ، الأمر  الذي لفت نظر ” ناصر ” مما دعاه الى التعقيب السريع ، قائلا :

: “زكريا طول عمره يتسم بالنظام والدقة ، فضلا عن الحسْ الأمني ، الذي يبدو أنه مولود به ” ضحك الجميع ، ودخل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية ، في الموضوع ، فقال وبكلمات مُحَددة

الأخوة في الجبهة ، جبهة التحرير الجزائرية وجيشها أبلغوني بالآتي:

“واحد : سوف تكون إشارة البدء في عمليات الكفاح المسلح عند ليلة الأحد / الإثنين الموافق الأول من نوفمبر من العام الحالي ، عام  ١٩٥٤

اتنين : إن هذا التوقيت تم اختياره على ضوء اعتبارات  تكتيكية واستراتيجية ، … الاعتبار التكتيكي يرجع إلى غياب عدد كبير من القادة والضباط والجنود الفرنسيين عن معسكراتهم لقضاء إجازة نهاية الأسبوع ، فضلا عن موافقة هذا التاريخ مع أحد الأعياد المسيحية الكاثوليكية الهامة في حياة الشعب الفرنسي ، وبالتالي فالتأمين العسكري والحراسة لتلك المواقع ستكون في أضعف حالاتها ،  أما الاعتبار الإستراتيجي فيرجع إلى وصول كميات كافية من السلاح إلى الأخوة  في الجزائر ، وسوف يقوم الأخ ” عزت سليمان ” بإلقاء الضوء حولها”

سكت ” محيي الدين ” وتحدث الضابط “‘عزت سليمان ” الذي أخذ الإذن من ” ناصر ” قائلا:

“سيادة الرئيس حمدا لله على سلامتك أولا من تلك المحاولة الخسيسة  التي استهدفت  حياتك … لقد شاهد  سيادتك ، السيد ” زكريا ” والأخوة ” علي صبري ” و “فتحي  الديب ” بعد فشل المحاولة ، والاطمئنان عليك حينها ، غير أنني هذه هي المرة الأولى التي أرى سيادتك بعد تلك المحاولة الغادرة”

استمع ” ناصر ” لكلمات ” عزت سليمان ” شاكرا له هذه  المشاعر ، داعيا إياه إلى إعطاء الزملاء الجديد من المعلومات التي تتعلق بساعة الصفر وأماكن العمليات المُحدّدة التي أخبرك بها الإخوة في جيش التحرير الجزائري ” ….

عندها بادر ” زكريا محيي الدين “بإعطاء ورقة من الملف الموجود أمامه إلى زميله …..  وهنا بدأ ” عزت ” في القراءة:

” أبلغني الإخوة في جيش التحرير أنه تم تقسيم مسرح العمليات في الجزائر إلى خمس مناطق … المنطقة الأولى هي ” جبال الأوراس ، والمسئول  عنها الأخ ” مصطفى بن بولعيد”  … المنطقة الثانية هي ما يُعرف بالشمال ” القسنطيني ” نسبة الى مدينة أو ولاية ” قسنطينة “والمسئول عنها الأخ ” ديدوش مراد ”  ، أما المنطقة الثالثة فهي منطقة ” القبائل ” والمسئول عنها الأخ ” كريم بلقاسم ” … ثم بعد ذلك تبقى منطقتي ” الوسط الجزائري ” والغرب الوهراني ” نسبة إلى منطقة أو ولاية ” وهران ” ، الرابعة يتولى مسئوليتها الأخ ” رابح بيطاط ” ، أما الخامسة فيتولى قيادتها الأخ ” العربي بن مهيدي عند هذا الحد توقف ” عزت سليمان ” عن القراءة والتي بدأ حريصا على قراءتها   وفق ما تم إبلاغه من الأخوة في قيادة الجبهة ، وفق اتصال مباشر معهم حيث تمكن الضابط ” عزت ” من العودة من الجزائر منذ بضعة أيام  قام خلالها بتسليم آخر شحنة سلاح إلى الثوار قبل بدء حرب التحرير ، وهنا تدخل ” زكريا محيي الدين ” في الحديث ، غير أن ” ناصر ” بادره بالقول:

” علينا أن نتوقف لبضع دقائق ، واضح أن الجلسة سوف تطول ، وواضح أنكم مش هاتروحوا النهاردة إلى بيوتكم ، أيه رأيكم في بعض السندوتشات ” ؟؟؟

مصطفى بن بولعيد

 

مصطفى بن بولعيد

غير أن الجميع نطق في صوت واحد وبأوصاف مُختلفة تراوحت بين ” أفندم وياجمال ، وسيادتك ” ..بلاش الجبنة البيضا والخيار وحياتك…”

غير أن ” ناصر ” بادرهُم بالقول ” الجبنة البيضا دي ليا ، أنتم لكم سندوتشات فول وطعمية … ماشي ، شيافكم موافقين ؟؟؟ “

لم يكن هناك مّفر من الموافقة ، فلا سبيل لتغيير اختيارات يعرف الجميع سلفا ألا بديل لها…

إنتقل  ” ناصر ” إلى مكتبه الموجود في نفس الحجرة التي يوجد بها طاولة الاجتماع وهي نفس الغرفة والمكتب الذي شهد منذ نحو عام  اللقاء الأول  الذي جمع ” ناصر ” مع كل من ” أحمد بن بيلا ” و ” هواري بومدين ” … ثم عاد ” ناصر ” إلى طاولة الاجتماع ، ليدخل بعد دقائق معدودة أحد الجنود ، الذي يتلقى من الرئيس قائمة بالمطلوب ، فضلا عن مشروبات لا تزيد عن الشاي والقهوة…

حينها طلب ” علي صبري ” الكلمة ، والذي كان يعمل بجانب مهمته كمدير لمكتب ” عبد الناصر ” مُساعدا  ” لزكريا محيي الدين ” في تأسيس وبناء جهاز المخابرات العامة ، غير أن ” ناصر ” رأى إعطاء الكلمة ل ” محيي الدين ” الذي أبدى اعتذارا  لزميله ” صبري ” والذي وافق على الفور ، قائلا له ضاحكا ، وموجها كلامه إلى الرئيس:

” أعمل أيه يا فندم مع زكريا ، فهو رئيسي في العمل ، فضلا عن صداقة تاريخية عميقة ، تمتد لسنوات “

أمن ” ناصر ” على كلام مدير مكتبه والرجل الثاني الذي يقع على عاتقه عبء إنشاء هذا الجهاز الخطير

عبد الناصر وبن بيلا

 

عبد الناصر وبن بيلا

تحدث ” زكريا ” وقال:

“لقد حدثت واقعة مهمة تتعلق بعملية نقل السلاح إلى الأخوة في الجزائر ، سبق أن أبلغتك بها ، ولكن أود ذكرها لكي أذكر الفضل الذي يستحقه أبطالها ، لقد تعرضت القوات البحرية المصرية لموقف صعب ، بسبب عوامل طبيعية وعواصف عاتية ضربت البحر الأبيض المتوسط بالقرب من الشاطئ الذي تم الاتفاق مع الأخوة في جيش التحرير على تسليم شحنات السلاح عنده ، فضلا عن وقوع اختلاف على التوقيت تقع مسئوليته على الجانبين ، المصري والجزائري ، تصرف الأخ ” عزت سليمان ” بذكاء وسرعة في اتخاذ القرار ، فقد لاحظ متابعة من الزوارق البحرية الفرنسية المُراقبة للساحل الجزائري ، فقام بالتوجه فورا إلى المياه الدولية ، ثم قام بالاتصال  بزميلنا البكباشي ” عبد المنعم النجار ” المُلحقْ العسكري بتاعنا في إسبانيا ، يقول له أن قطعة بحرية مصرية ، اسمها ” فخر البحار ” والتي كان ” عزت ” على مّتنها ، تتجول في عدد من موانئ البحر المتوسط ، وتريد زيارة ميناء برشلونة للتزود بالماء والوقود والغذاء”

وقام الأخ ” النجار ” بالاتصال بالخارجية الإسبانية ووزارة الدفاع لنقل هذا الطلب ، وكانت المفاجأة أن وافقت السلطات الإسبانية على الفور ، وتم استقبال ” فخر البحار ” استقبالا رسميا حافلا … وبعد عدة أيام ومع تجديد الاتصال  بالإخوة  في جيش جبهة التحرير الجزائري ، استطعنا تسليم شحنة السلاح بالكامل ، كانت هي الشحنة الأكبر منذ بدء عمليات الإمداد ، من دونها كان من الصعب ، بل من المستحيل تحديد الأخوة ساعة الصفر والبدء بالعمليات العسكرية…..”

هنا توقف ” زكريا ” عن الكلام ، ليس بسبب الانتهاء مما رواه ، ولكن لدخول الجندي بالطعام المطلوب ، فكانت فرصة للتوقف ، والتقاط الأنفاس ، ليبدأ  ” علي صبري ” الحديث عن بعض الجوانب السياسية التي كان مُكلفا بها ، جوانب تتصل بالعمل الإعلامي والدبلوماسي ، العربي والدولي ، الذي سبق أن كلّفهُ ” عبد الناصر” بها ، وهي إعداد تصور متكامل له ، وكانت جميعها قضايا تتصل بالمستقبل ، مستقبل الثورة الجزائرية ، والثورة المصرية ، بل والثورة العربية…

 

الجزائر..ثورة الشهداء: ثلاث صور في صورة واحدة (٣)

الصورة الثالثة والأخيرة:

بعد أن فّرغّ الحضور من تناول الطعام الذي قدم لهم استأنف ” جمال عبد الناصر ” ذلك الاجتماع الخطير الذي ضم ، زميله ” زكريا محيي الدين ” عضو مجلس قيادة الثورة ، ومؤسس جهاز المخابرات العامة الذي أصدر ” ناصر ” قرارا بتكوينه مطلع هذا العام ، عام ١٩٥٤، و” علي صبري ” المسؤول الثاني في ذلك الجهاز ، ومدير مكتب زعيم الثورة المصرية ، والضابط ” فتحي الديب ” مسؤول الشؤون العربية والمشرف الأول على دعم الثورة الجزائرية ، فضلا عن الضابط ” عزت سليمان ” مُساعده في عملية الجزائر والرجل الأول في نقل شحنات السلاح من مصر إلى ساحة الجهاد في عموم الأرض الجزائرية  …

كانت الكلمة عند ” زكريا محيي الدين” والذي فّرغّ منها ، لكي تنتقل إلى زميله الضابط ” علي صبري ” والذي تحدث بوصفه مديرا لمكتب ” عبد الناصر ” ، وبدا من طريقة طرحه لما كُلف به من خطط أنه أعدها إعدادا  جيدا فقد كُلف من ” ناصر ” بالجوانب السياسية والإعلامية المُتعلقة بدعم الثورة الجزائرية ، والتحرك في إطار أشمل ، وهو العمل ضمن مجموعة ” المغرب العربي ” التي كان يرأسها الأمير ” عبد الكريم الخّطّابي ” المُجاهد المغربي الكبير وقائد ثورة الريف في بلده ” المغرب ” أو ” مراكش ” كما كان يطلق عليها أحيانا في هذا الوقت ، ويساعده المناضل المغربي الكبير ” عّلاّل الفّاسي ” ، فضلًا عن ” الحبيب بورقيبة ” مُمثلًا لتونس ، و” محمد خيضر وحسين آية أحمد ” عن الجزائر ، وقد سبقا ” أحمد بن بيلا ” في المجئ إلى مصر ، والعمل تحت هذه الصفة ، أي التحرك ضمن مجموعة ” المغرب العربي ” …

أحمد بن بيلا
أحمد بن بيلا

تّحدث ” علي صبري ” وقال : ” … لقد تحركت وفق ما كلفني به الرئيس بالعمل وفق ثلاث اتجاهات ، أولها الاجتماع مع الأخوة في لجنة المغرب العربي ، وعلى رأسهم الأمير ” عبد الكريم الخطابي ” وتوصلنا إلى ضرورة البحث عن وسائل جديدة للكفاح ضد المحتل الفرنسي ، واتفق غالبية الأخوة ، على ضرورة انتهاج أسلوب حرب العصابات بسبب الاختلال الشديد في ميزان القوى العسكري بين القوى الوطنية وجيش الاحتلال في الجزائر وتونس والمغرب … مع ملاحظة ترك مساحة كافية من حرية الحركة وفق كل إقليم …

ثانيًا : اتفقت مع عدد من الزملاء في الساحة الليبية وفي وجود الأخ ” أحمد بن بيلا ” على طرق وأساليب نقل السلاح من مصر إلى الجزائر عبر الأراضي الليبية ، وتحديدًا نقل السلاح بالسفن إلى منطقة ” الخُمس ” على الشاطئ الليبي وبالتنسيق مع العقيد الليبي ” عبد الحميد دّرّنة ” والذي قام الأخ ” أحمد بن بيلا ” بعقد صلات قوية معه ، آخذين في الاعتبار أن هناك مصلحة من قيادات الأمن البريطانية المُسيطرة على الوضع في ليبيا على إضعاف الأوضاع العسكرية الفرنسية في كل من الجزائر وتونس ، لقد نجحنا في تجنيد عدد من الأفراد العاملين مع قائد البوليس الليبي ، وهو بالمناسبة بريطاني وصاحب الكلمة النافذة في كل ليبيا ، فضلًا عن تعاون بعض العناصر القريبة من الملك ” أدريس السنوسي ” والتي أبدت استعدادًا في المساعدة في نقل السلاح إلى الجزائر وتونس ، وبموافقة ضمنية من الملك الذي أشيد في هذا الاجتماع بتعاونه مع العمل الذي نقوم به مع الأخوة في جيش التحرير الجزائري … “

عبد الحميد دّرّنة واحمد بن بيلا
عبد الحميد دّرّنة واحمد بن بيلا

عند هذا الحد تدخل ” عبد الناصر ” وقال :

 ” … لقد التقيت  كما تعرفون مع الأخ ” أحمد بن بيلا والأخ بومدين ” وقد بّقيّ الأول هنا ، في الوقت الذي توجه الثاني إلى الجزائر قبل وقت كافٍ من العمل ، لكن مراقبة سلطات الاحتلال بعد عملية مكتب بريد وهران الفدائية التي قام بها ” بن بيلا ” بات هو الرجل الأول المطلوب من فرنسا ، ولذلك اتفقت معه على البقاء في القاهرة لبعض الوقت ،  وكذلك اتفقت مع بعض الأخوة في جيش التحرير على الإشراف المباشر مع الأخ ” عزت سليمان ” في نقل السلاح إلى الجزائر ، خاصة عن طريق البر وعبر الحدود مع كل من ليبيا وتونس … “

وبعد لحظات من الصمت مّرت سريعًا ، أعطى ” ناصر ” الكلمة إلى زميله ” علي صبري ” ليستكمل خطته الأساسية والإعلامية ، قال :

” بالنسبة للعمل في الداخل ، فقد أبّلغني الأخوة في جبهة التحرير بتشكيل ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” وكما تلاحظ سيادتك ، أنها من تحليل دلالات الاسم  هي أقرب إلى الصيغة الجبهوية ، وإرجاء التناقضات الثانوية بين فصائل العمل المختلفة والاتفاق على تحقيق  هدف واحد هو حشد الجهود من أجل التحرير … ومجرد الاطلاع على أسماء هذه اللجنة يتضح ما أقصده ، اللجنة تضم كل من : بن يبلا ، وحسين آية أحمد ، العربي بن مهيدي ، محمد بوضياف ، مصطفى بن بلعيد ، رابح بيطاط ، ديدوش مراد ، محمد خيضر ، كريم بلقاسم …”

 

هنا توقف الرئيس بملاحظة ، قائلًا :

” أولًا ، هناك توافق في الأسماء بين مسؤولي المناطق العسكرية الخمس وفق ما سبق عرضه من الأخ ” عزت سليمان ” فأعضاء  اللجنة الثورية الموحدة وهي المعنية بالعمل السياسي ، تتكامل مع اللجنة العسكرية ، وهذا في حد ذاته جيد جدًا ، فلا يجب أن يكون هناك فصل بين كوادر الحركة ، بين ما هو سياسي وماهو عسكري ، أما الملاحظة الثانية ، فهي التنوع بين مسؤولي العمل في الداخل وزملائهم في الخارج ، خارج الجزائر ، يوجد مثلا الأخ ” أحمد والأخ خيضر والأخ بوضياف على سبيل المثال هنا في القاهرة ، التكامل في العمل وتأجيل التناقض الثانوي هو مفتاح أي عمل ثوري ، تجربتنا في تنظيم الضباط الأحرار تقول بذلك ، وتجربة من سبقونا في مصر كثورة ١٩١٩ وثورة عرابي تقول بذلك ، وما حدث في الثورة الصينية ، وهي القريبة منا من حيث الوقائع  التاريخية  تقول بذلك ، فهناك أكثر من كتاب لزعيم الثورة الصينية ” ماوتسي تونج ” أرجو أن تطلعوا عليها، تتحدث عن هذا الموضوع ، ” التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي ” وقد طلبت من مكتب المعلومات أن يوفر لكل منكم نسخ من هذه الكتب ، الكتاب الأول عن ‘ الجبهة الوطنية المتحدة ” والثاني اسمه ” في التناقض ” وهو كتاب أقرب إلى الفلسفة منه إلى أساليب الحرب الثورية وحرب العصابات ، لكنه شديد الأهمية لكل من يعمل بالسياسة ، ثم إن هناك أكثر من كتاب في هذا الموضوع “

 

 

 

هنا تدخل الضابط ” فتحي الديب ” ليضيف ملاحظة على كلام قائد الثورة المصرية ، وهي إعداد الأخوة في جيش التحرير وتأهيلهم للعمل من خلال  دورات تدريبية تثقيفية حول حرب العصابات ، وقد وفّرّ الأخوة  في القوات المسلحة عدد وافر من النسخ من كتب حرب العصابات وتجاربها المختلفة في أكثر  من ساحة ، ومنها عمليات حرب المدن والتي جرى معظمها في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية ، وفي مدن مثل باريس وبلجراد وبودابست وغيرها ، وذلك لتشابه تلك المدن التي حاربت القوات الألمانية  النازية  مع الكثير  من المدن الجزائرية …”

بدت ملاحظة ” فتحي الديب ” بالغة الأهمية ، غير أن زميله ” عزت سليمان ” أشار إلى دور زميله في حركة الضباط الأحرار ” أحمد حمروش ” وصاحب الاهتمامات الثقافية الكبيرة ، وصاحب الصٍلات والعلاقات  القوية  بعدد من التنظيمات اليسارية ، بتوفير نسخ مُتعددة  عن تجارب حرب العصابات في أكثر  من ساحة وبأكثر من أسلوب ، ومنها كتابات لقادة عسكريين من الغرب ، سواء في أمريكا أو جنرالات حرب كبار في كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها … “

بدا الحوار على درجة عالية من العمق ، وهو الأمر الذي أدركه  ” ناصر ” من البداية ، فقد حرص على تسجيل كل كلمة فيه ، وتكليف واحد من سكرتارية المعلومات التي كانت في طور التكوين حينذاك على كتابة محضر الاجتماع ثم توفير ما هو ملائم منها للأخوة في جيش التحرير الجزائري ومكتب ” المغرب العربي ” ….

عند ذلك طلب ” علي صبري ” الحديث ، لكي يلقي الضوء على الجانب الثالث من خططه ، والمتعلقة بالعمل الإعلامي ، ولكنه سرعان ماتوقف عن الحديث في لفتة ذكية منه ، فقد حّرٍص على التأكيد عَلى أهمية العمل الجماعي بين فصائل حركة التحرير الجزائرية وضرورة العمل داخل بوتقة واحدة ، ولكنه نظر إلى الرئيس قائلًا له :

” وفق نفس الرؤية كان عملنا المشترك مع بعض الأخوة في الجهاز ، جهاز المخابرات ، والأخوة في مكتب سيادتك ، والإخوة في القوات المسلحة ، في الجيش والذين يقومون وبإشراف الأخ ” عبد الحكيم عامر ” بتوفير ماهو مطلوب من سلاح … وفي ضوء ذلك تّبقىّ  الخطة الإعلامية المُعدة لمعاونة الثورة الجزائرية وغيرها من حركات تحرر عربية وغير عربية نعتزم باذن الله دعمها … هنا أترك الحديث إلى أخي ” زكريا ” …”

بدا ” زكريا محيي الدين ” مُمتنًا لزميله ومعاونه في جهاز المخابرات العامة ، فقال ” … بصراحة للأخ ” علي ” الفضل الأول في العمل الذي تم على صعيد الإعلام ، لقد تم تنفيذ الإقتراح الذي دعوتنا سيادتك لدراسته وتجهيزه ، بإنشاء أذاعة موجهه إلى الأخوة العرب وحركات التحرير سواء في المشرق العربي أو المغرب العربي ، ولذلك اتفقنا أن يكون اسمها ” صوت العرب ” و أصدرت قرارًا ببدء العمل فيها العام الماضي ، سنة ١٩٥٣…..

وأدخل في الموضوع مباشرة ، فقد كلفت الزملاء عزت سليمان وفتحي الديب بالتنسيق مع الأخ ” أحمد سعيد ” بمده بالمعلومات المتعلقة بالثورة في الجزائر عند اندلاعها  ، بإذن الله ، وبالتشاور في كل معلومة أو تحليل سياسي مع الأخوة الجزائريين المتواجدين في القاهرة ، مثل الأخ ” بن بيلا وبوضياف ومحمد خيضر وغيرهم …. وتعرفون جميعا أن الإرسال بدأ بعدد محدود من الساعات زادت الآن ووصلت إلى أكثر من ٢٠ ساعة … “

 

وهنا أبدى ” ناصر ” ملاحظة بالغة الأهمية ، وهي ضرورة التحضير لمحطة إذاعة سرية لا يُعلن  عنها الآن تكون بديلًا لإذاعة صوت العرب ، أو حتى الإذاعة المصرية ، فسوف نخوض معارك كثيرة على أكثر من جبهة ، وسوف يكون صوت الثورة المصرية مُستهدفًا ، سواء في إذاعة ” صوت العرب ” أو الإذاعة المصرية ….”

عند كلمات ” ناصر ” عن الإعلام والثورة ، انتهى هذا  الاجتماع  الخطير ، الذي جّمعّ بين رجال الثورة المصرية وأشقائهم رجال الثورة الجزائرية ، رغم اختلاف المواقع وبُعْد  المسافة بين القاهرة ومدن الجزائر الحُبلىّ بالثورة ….. “

وبالفعل أنشئت مصر إذاعة سرية ، وبدأت العمل في نوفمبر عام ١٩٥٥ ، وظلت مُخصصة للثورة الجزائرية حتى انتصار  الثورة في سنة ١٩٦٢ ، وانتقلت إليها موجة الإذاعة المصرية خلال حرب السويس عام ١٩٥٦، بعد قصف محطة الإرسال الرئيسية في منطقة ” أبي زعبل ” …

لكن بقيت إذاعة ” صوت العرب ” في خلال ذلك الاجتماع لها شرف الإعلان التاريخي عن بدء حرب التحرير الجزائرية ، فقد أُتخذ قرارًا بترتيب إذاعة بيان الثورة من القاهرة ….

وفي صباح الفاتح من نوفمبر من العام ١٩٥٤ أُعلن بيان جبهة التحرير الجزائرية  ، مصحوبًا بتفجير ” ٢٤ قنبلة ” شملت أنحاء متفرقة من الجزائر ، لتُعلن بدء ثورة شعبية مسلحة ، تعتبر واحدة من أعظم ثورات القرن العشرين …

تحية لثورة الشهداء في عيدها  ، وتحية لقادتها الكبار ، وتحية لمصر وشعبها ، خير سند لثورات وانتفاضات الحق والعدل في كل زمان وعصر … تحية لروح ” جمال عبد الناصر ” ورجال ثورته الكبار..

 

https://www.youtube.com/watch?v=nljU-g9nhYI

عن admin

شاهد أيضاً

ذات يوم 11 أغسطس 1956.. مجلة فرنسية تكشف أسرار مستندات حملها مصطفى الحفناوى من باريس حول خطة سيطرة بريطانيا على قناة السويس بعد انتهاء الامتياز فى 1968

سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 11 أغسطس 1956.. مجلة فرنسية تكشف أسرار مستندات حملها مصطفى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *