أخبار عاجلة
الرئيسية / حوارات ناصرية / دفاعاً عن الناصرية :حوار مع اليسار الماركسي حول أطروحة الثورة الوطنية الديمقراطية – بقلم : دكتور صفوت حاتم

دفاعاً عن الناصرية :حوار مع اليسار الماركسي حول أطروحة الثورة الوطنية الديمقراطية – بقلم : دكتور صفوت حاتم

1- واقع الأمر أن جيلي هو  ذلك الجيل الذي تشكل وعيه بعد أن كان القائد الخالد في ذمة الله والتاريخ ..  ذلك الجيل الذي  كبر وتكون وعيّه نهاية الستينات .. وعاصرنا    فترة الردّة  على الناصرية منذ بدايتها ونحن في المراحل الأولى للدراسة الجامعية  .. وما صاحبها من هجمة منهجية لتشويه كل إنجازات عبد الناصر .. وتحويل كل هذه الإنجازات والانتصارات إلى تصفية وانتكاسات . 

وكانت هذه الهجمة قد بدأت مبكرا بعد حرب أكتوبر  وشارك فيها .. على استحياء .. بعد رموز اليمين المصري وعلى رأسهم الكاتب المسرحي ” توفيق الحكيم ” بكتابه الذي أثار جدلاً واسعا ” عودة الوعي ” . . وانضمت له كل تيارات اليمين المصري .. دون استثناء تقريبا .

ثم بدأت بعض رموز اليسار الماركسي تشارك في  هذه الهجمة الدعائية ضد الحقبة الناصرية .. وبدأت تلك الحملة بكتابات الدكتور ” فؤاد زكريا ” أستاذ الفلسفة .. والذي يتبنى المنهج الماركسي .

وقد قمنا بالرد سابقاً على بعض الإنتقادات اليسارية .. خصوصا أطروحة ” رأسمالية الدولة ” . 

وفي هذه الدراسة.. كما في سابقاتها ..  سنتعرض بالتحليل والنقد لأحد أطروحات اليسار الماركسي ورؤيته للتجربة الناصرية بإنجازاتها وإخفاقاتها .. وهي أطروحة ” الثورة الوطنية الديمقراطية  .

***

‏2- الواقع أن العلاقة بين ثورة يوليو واليسار الماركسي كانت علاقة ذات نوع مأساوي، فبقدر ما كانت هذه العلاقة تحمل من أسس التعاون والهضم المتبادل، بقدر ما أدى ذلك إلى  انتعاشة جماهيرية وفكرية في  حركة الثورة وآفاق النصر. بحيث يمكن القول أن الناصرية كانت الرافعة القوية التي رفعت أفكار اليسار العربي في التحرر الوطني .. ومناهضة الإمبريالية .. وبناء الاشتراكية .. ونشر أفكارها بين الجماهير العربية .

بالمقابل .. عندما   كانت تحمل هذه العلاقة  بين عبد الناصر واليسار العربي من عوامل التناقض والصدام وسوء الفهم المتبادل .. كانت تخيم على حركة الثورة العربية ظلال من الارتباك والأفول. 

ومنذ اندلاع ثورة يوليو  1952 .. تنوعت تحليلات اليسار الماركسي ومواقفه من ثورة يوليو .. وتخللت العلاقة فترات من الصراع الخشن العنيف .. وتخللته لحظات من التعاون الخلاق بين الطرفين .. ما ساهم عمليا في نشر الفكر  الإشتراكي .. الذي كان مجرماً قبل ذلك .. وينشره مناضلوه من اليساريين من خلال منظمات سرية  أو من خلال واجهات ثقافية وسياسية عامة لتضليل الشرطة وضمان عدم الملاحقة البوليسية .

حتى أتى عبد الناصر ورفع شعار ” الاشتراكية العلمية ” بعد عملية التأميمات الكبرى التي قام بها في يوليو 1961 ثم تضمنتها الوثيقة الفكرية التي أصدرها عام 1962 والمسماة ” الميثاق الوطني ”  والتي أجرى عليها نقاشا جماهيريا واسعاً من خلال المؤتمر الوطني للقوى الشعبية في مايو/ آيار عام 1962.

وقد أثارت تلك الإجراءات الثورية الجديدة جدلاً واسعا داخل المنظمات الشيوعية المصرية .. التي كانت في السجون المصرية بسبب موقفها من الوحدة المصرية / السورية عام 1958.

لكن مع اندلاع حركة التأميمات الكبرى في يوليو 1961 وطرح عبد الناصر  بصراحة الانتقال الفكري إلى الاشتراكية العلمية  والتطبيق العربي للاشتراكية .. وانتهاج مبدأ التخطيط الإقتصادي .. والبدء في تطبيق الخطة العشرية للتنمية الاقتصادية لمضاعفة الدخل القومي على عشر سنوات .. 

هنا بدأت بعض المنظمات الماركسية في النظر للإجراءات الناصرية نظرة جديدة مختلفة .. بينما حافظت منظمات أخرى( صغيرة التأثير )  على مواقفها القديمة واطروحاتها التقليدية . 

ولاشك أنه بسبب هذه التحليلات المتناقضة والمتعددة  عن ثورة يوليو وقياداتها الناصرية – التي قدمتها بعض التيارات الماركسية –  حدث  صدام مع ثورة يوليو وقائدها ، صداماً أعاق هذه القوى  اليسارية عن   الالتقاء

الموضوعي مع عبد الناصر في حياته  لتكوين جبهة يسارية موحدة في مواجهة قوى الثورة المضادة  .. وأضر الطرفين .. 

وبتأثير ذلك   الصراع .. انتقل ميراثه إلى اليسار العربي في سبعينات القرن الماضي وما بعدها . وساهم ذلك  جدل عنيف عوّق التقاء القوى التقدمية  في كثير من الأقطار العربية .. بعد غياب عبد الناصر .. وحدوث الردّة الساداتية التي اجتاحت وسيطرة على الساحة السياسية العربية بعد حرب أكتوبر 1973 . 

  وربما حتى هذه اللحظة لازالت تعاني الماركسية العربية وضعاً قلقاً في توصيف  التجربة   التي قادها جمال عبد الناصر .. وبالتالي لم تستطع هذه التيارات   تحديد مواقفها  من ” الناصرية ”  تحديداً ثابتاً وعلمياً. 

3- ولأننا لا نستطيع في هذه الدراسة مناقشة كل التحليلات التي قدمها اليسار الماركسي عن التجربة الناصرية .. فإننا سنتعرض بالنقاش هنا لتلك التحليلات الجديّة التي قدمتها بعض التيارات الماركسية عن ثورة يوليو.

 وحقيقة الأمر أن أكثر هذه التيارات الماركسية إقتراباً وتفهما الثورة يوليو، لا يعدو اقترابه وتفهمه هذا أكثر من توصيفها في خطين أساسيين:

الأول : تقدمه فئات عريضة من اليسار الماركسي وهي التي تصف ثورة يوليو بأنها لا تعدو أن تكون ” ثورة وطنية ديمقراطية ”  . 

الأول : تقدمه فئات عريضة من اليسار الماركسي وهي التي تصف ثورة يوليو بأنها لا تعدو أن تكون ثورة وطنية ذو أفق برجوازي بالأساس . وتذهب هذه التيارات إلى القول أنه من الخطأ اعتبار ثورة يوليو ( في أي  مرحلة من مراحلها ) كانت  ثورة ذات أفق اشتراكي . 

ويضيفون إلى ذلك قولهم : ” أن شعارات الاشتراكية، والتحول الاشتراكي التي رفعتها الثورة في مرحلة من مراحلها ليست أكثر من شعارات نظرية  تطلقها ” البورجوازية الوطنية ” , لتمكن  من سيطرتها على القوى والفئات الثورية في المجتمع وتصادر حركتها الحقيقية . 

واكمالاً لهذه التوصيف , ترى ترى هذه الفئات  هذه الفئات اليسارية  أن ثورة يوليو هي الحلقة الثالثة في مسلسل الثورة الوطنية المصرية التي بدأت مع الثورة العرابية عام 1881 .. وكانت ثورة عام 1919 هي حلقتها الثانية .. والحلقة الثالثة هي ثورة يوليو عام 1952 . ( راجع البرنامج السياسي  لحزب التجمع التقدمي الوطني التقدمي .. وهو تجمع حزبي نشأ في في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي وضم القوى الناصرية والماركسية وبعض رموز  التيار القومي التقدمي  والتيار الديني المستنير . 

ولقد  ميّز برنامج الحزب آنذاك بين مفهومين للثورة الوطنية الديمقراطية , يطلق على الأول مفهوم ” الثورة الوطنية الديمقراطية ” التقليدية  .. أما المفهوم الثاني فهو الثورة الوطنية الديمقراطية  ” غير التقليدية ” .. تلك التي تتراوح فيها مهام الثورة الوطنية التقليدية ذات الطابع البرجوازي مع مهمة تقدمية ذات طابع  أو أفق اشتراكي .. ولم تصدر عن الحزب أي شروحات نظرية محددة ومنفصلة عن المفهومين . كذلك يعتبر الحزب الشيوعي المصري حدتو سابقا )  .. هو الحزب الوحيد في مصر الذي يطلق توصيف ” الثورة الوطنية الديمقراطية ” على ثورة يوليو ) .

الرأي الثاني: تتبناه بعض فئات اليسار الماركسي أيضاً، وملخصه عدم اعتبار ما حققته ثورة يوليو من إنجازات هو من قبيل الاشتراكية .. بل أن هذه لا تعدو أن تكون نوعاً من ” رأسمالية الدولة ” ذات الطابع البورجوازي .. وأن إجراءات يوليو 1961 هي إجراءات كانت موجهة أساساً للمصالح المستقبلية البورجوازية المصرية  الناشئة، لعجز البورجوازية التقليدية عن القيام بدورها في إنشاء نمو صناعي رأسمالي. لهذا تقوم الدولة بإنشائها ثم تبيعها أو تسليمها  ثمرة ناضجة وجاهزة  إلى الرأسماليين .. وتوفر كل المقومات لتقوم طبقة رأسمالية جديدة وقادرة .. تملك الإقتصاد وتديره . 

وعلى الرغم مما بين الوصفين من علاقة حميمة، إلا أن القضيتين منفصلتان من الناحية النظرية ، وعلى هذا سنتولى عرض القضية الأولى والرد عليها وإرجاء مناقشة القضية الثانية الى دراسة أخرى . ( يذهب إلى هذا الرأى الثاني  الدكتور غالي شكري وجودة عبد الخالق وعدد من الاقتصاديين اليساريين ) .

مفهوم الثورة الوطنية والديموقراطية:

4 – لقد لحق تطور كبير بمفهوم الثورة الوطنية الديموقراطية، يجعلنا نفهم كيف تحول هذا الشعار إلى شعار مستحيل الحدوث فعلياً في الواقع. إن تجربة الثورة في البلدان المتخلفة قد قضت عملياً على أي امكانية حقيقية لحدوث مثل هذه الثورة على المستوى العملي .

ولكن قبل كل شيء ما الذي نعنيه – إذا كنا نعني شيئاً – بالثورة الوطنية الديموقراطية؟ 

واقع الأمر أن الأدبيات الماركسية الكلاسيكية ترى أن الثورة الوطنية الديموقراطية هي مرحلة ضرورية تاريخياً في المجتمعات الإقطاعية وشبه الإقطاعية للقضاء على مجمل هذه العلاقات الإقطاعية المتخلفة ونقل المجتمع إلى نمط العلاقات الرأسمالية وإحداث نمو تصنيعي كبير يصفي علاقات القنانة والإقطاع والحكم الأوتوقراطي .

وترى هذه الأدبيات أن تطور البروليتاريا حافرة قبر البورجوازية مرهون بتطور هذا الأخيرة .. وتصديها لمهام الثورة الوطنية الديموقراطية .. التي هي ثورة لا يمكن القفز من فوقها  أو ” حرقها ” على حد تعبير الأدبيات الماركسية المعاصرة . 

5- وترى الأدبيات الماركسية التقليدية أن مهام الثورة الوطنية الديموقراطية تتلخص أولا : في حل المسألة

الزراعية والقضاء على العلاقات الإقطاعية والحكم الملكي المطلق . 

وثانيا عمل تحديث الصناعي، وإقامة صناعة قوية عن طريق إحداث نمو اقتصادي على النمط الرأسمالي .

ثالثا :  إطلاق مجمل الحريات السياسية، وإطلاق حق تكوين وإنشاء الاحزاب السياسية لكل القوى والفئات الاجتماعية ؟ 

رابعاً والأهم :  تصفية المصالح الامبريالية، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والسياسي، وتوحيد السوق القومي.

قيادة الثورة الوطنية الديموقراطية

6- ترى الأدبيات الماركسية الكلاسيكية أن قيادة الثورة الوطنية الديموقراطية هي للطبقة البورجوازية، التي كان لها دور ثوري رفيع في التاريخ كما وصفها البيان الشيوعي . 

 فلقد صفت  البورجوازية الأوروبية علاقات الإقطاع والفنانة والحكم المطلق، وقامت بأكبر ثورة صناعية في التاريخ، وهي بعد كل هذا وقبله خالقة لطبقة البروليتاريا، الطبقة التي تحمل على عاتقها خلاص كل المضطهدين والكادحين، وإقامة مجتمع بلا طبقات ولا استغلال.

والآن بعد أن علمنا ما هو المقصود بالثورة الوطنية الديموقراطية، ومن  هي الطبقة المرشحة لقيادة هذه الثورة، يجدر بنا أن نصنع جردة نظرية لنعرف التطور الذي لحق بمفهوم الثورة الوطنية الديموقراطية، لنبين كيف أن الواقع جرى على عكس ما أراد الفكر الماركسي الكلاسيكي.

تطور مفهوم الثورة الوطنية الديموقراطية

7-  كان كارل ماركس – كما سبق وقلنا – يعتقد في الدور الرفيع والثوري الذي قامت به البورجوازية فهي حافرة قبر الإقطاع وبانية الصناعة الكبرى، وهي قبل كل هذا وبعده، هي خالقة الطبقة البروليتارية التي تحمل الخلاص لكل الطبقات المضطهدة، وهو يؤكد أن على البروليتارية ألا تنسى هذه المأثرة التاريخية للبورجوازية، وأن تمنح البورجوازية تأييدها في كل مرة تنطرح على جدول أعمال التاريخ مسألة الثورة الوطنية الديموقراطية. وهو – أي ماركس – يرى أن تطور البروليتارية «مشروط» بتطور البورجوازية وفي هذا كله فالنصوص كثيرة : 

فلقد كتب ماركس   ما يلي : 

” إن العمال الألمان يعلمون جيد العلم أن النظام الملكي لن يتردد أبداً ولا يمكن أن يتردد في وضع نفسه في خدمة

البورجوازية مع كل ما يملكه من مدافع وسياط، فما حاجاتهم إذن إلى تفضيل جور ووحشية الحكومة وبطانتها الإقطاعية على هيمنة البورجوازية المباشرة ؟ إن العمال يعلمون جيد العلم أن البورجوازية لن تقدم لهم من التنازلات السياسية أكثر مما تقدمه الملكية المطلقة فحسب، بل ستخلق ايضاً وبالرغم منها ولخدمة تجارتها وصناعتها الشروط المناسبة لاتحاد الطبقة العاملة والحال أن إتحاد العمال هو الشرط الأول لانتصارهم. إن العمال يعلمون أن إلغاء الشروط البورجوازية للملكية لا يمكن أن يتم ما بقيت الشروط الإقطاعية للملكية قائمة. إنهم يعلمون أن الحركة الثورية للبورجوازية ضد الطوائف الاقطاعية والحكم المطلق لا يمكن إلا أن تعجل بحركتهم الثورية الخاصة. ويعلمون أن صراعهم الخاص مع البورجوازية لا يمكن أن ينفجر إلا يوم أن تنتصر البورجوازية وإنه لفي استطاعتهم ومن واجبهم أن يقبلوا بالثورة البورجوازية كشرط للثورة العمالية، وإن كانوا لا يستطيعون في أي لحظة من اللحظات اعتبارها هدفهم النهائي، (ماركس .. النقد الأخلاقي والأخلاقية النقدية  .. 1847 ) .

ويقول  ماركس أيضا : 

” كلما نمت البورجوازية، أي الرأسمال تطورت أيضاً البروليتاريا … وتطور الصناعة لا يزيد عدد البروليتاريين

فحسب بل يركزهم أيضاً في جماهير أوسع وأعظم.. ( البيان الشيوعي 1848 ) . 

و لتوضيح فكرته عن الدور التاريخي للبورجوازية .. يقول  ماركس : 

” إن الشرط العام لتطور البروليتاريا الصناعية يكمن في تطور البورجوازية الصناعية، وإنما في ظل هيمنة هذه الأخيرة  وجود البروليتاريا أبعاداً قومية تتيح لها أن ترتفع بثورتها إلى مصاف الثورة القومية .. وهيمنة البورجوازية الصناعية هي وحدها التي تستأصل الجذور المادية للمجتمع الإقطاعي وتعهد الميدان الأوحد الممكن للثورة البروليتارية.. (الصراعات الطبقية في فرنسا 1850 ).

وأخيرا نراه يقول :

“إن تطور «شروط» وجود بروليتارية عديدة، قوية مركزة، ذكية، مرتبط بتطور شروط وجود بورجوازية عديدة، غنية مركزة ، قوية  .. وتطور الطبقة العاملة لا يكتسب أبدأ صفة مستقلة ولا يصبح أبداً ذا طابع بروليتاري صرف ما لم تستول شتى  أجنحة البورجوازية  .. ولا سيما جناح الصناعيين الأكثر تقدماً ..  على السلطة السياسية وما لم تحول الدولة وفقاً لحاجتها وتبعاً لها.”  (  الثورة والثورة المضادة في ألمانيا .. 1851 .. والواقع أن انجلز هو من كتب هذا المقال في حين أن ماركس هو الذي وقعه بإمضائه ) .

8- على أن الأمر لا يقتصر على بعض المقتطفات هنا وهناك، بل لقد أكدت مواقف ماركس العملية عمق إيمانه بهذه الاستراتيجية للثورة. فعندما اندلعت الثورة في ألمانيا عام ١٨٤٨ تمسك ماركس بخطته تلك عندما عاد إلى كولونيا سراً، ثورة وطنية ديموقراطية بقيادة البورجوازية وعلى البروليتاريا فيها  تكون حليفاً للبورجوازية الليبرالية ضد الإقطاع والحكم المطلق، وهذا ما عبر عنه ماركس في إحدى مقالاته في ” الصحيفة البريطانية الجديدة التي كانت تسمى نفسها صحيفة الديموقراطية ” . يقول في هذا المقال : ” 

” إن على البروليتارية ان تسير مع الجيش الديموقراطي الكبير، وفي الطرف الأقصى جناحه اليساري، مع التحفظ من إنقطاع الصلة بينها وبين غالبية ذلك الجيش، وما دام الباستيل قائماً فإن على الديموقراطيين ان يبقوا متحدين، فليس هناك من حق للبروليتاريا ان تنعزل بنفسها، وإنها من واجبها أن ترد كل ما يمكن ان يفصلها عن حلفائها” 

ولقد واجه ماركس بسبب هذا انتقادات عديدة خصوصاً من غوتشالك ، الذي كان قد أسس الرابطة العمالية ، والذي سخر بشدة من ماركس ومن نظريته عن تعدد المراحل الثورية بقوله : 

“إن بؤس العامل وجوع الفقير ليسا في نظر ماركس سوى مادة للإنشاءات النظرية الضبابية التي لا تتصور أي

امكانية للنجاة من جحيم القرون الوسطى عن غير المرور بالمطهر الرأسمالي ” .

9- ولكن يبدو أن التاريخ قد خيب آمال ماركس التي عقدها على البورجوازية الألمانية في إتمام ثورتها الديموقراطية البورجوازية. فلقد أثبتت أحداث عام ١٨٤٨ أن نذالة البورجوازية وجبنها لا يمكن ان يقف عند حد فلقد تحالفت البورجوازية الليبرالية الألمانية مع الحزب الرجعي في أواخر عام ١٨٤٨ وساهمت من أجل مصالحها مع البيروقراطية الرجعية. وتخلت عن دورها السياسي وسلمت جهاز الدولة لنفس الطبقة الرجعية التي انتزعتها منها بالأمس القريب.

وهكذا مع أول محك عملي، خطأت التجربة العملية تصورات ماركس عن إمكانية قيام ثورة وطنية ديموقراطية بقيادة البورجوازية. والواقع أن موقف إنجلز من هذه القضية كان أكثر حزماً وتقريرية ربما أكثر ” سلفية ” من ماركس نفسه. فلقد نفى انجلز أي إمكانية انتصار للثورة الاشتراكية قبل انتصار الثورة الديموقراطية البورجوازية . فلقد اعتقد  ” بيوتر تكاتشيف ” ، الاشتراكي – الشعبي الروسي إمكانية قيام ثورة اشتراكية في روسيا فكتب في عام ١٨٧٤ «رسالة مفتوحة الى فردريك انجلز يتهمه فيها بأنه يدلل عن جهل مطلق بالاوضاع الحقيقية في روسيا ويعلن له بكل كبرياء الروح الروسية أن روسيا ستكون سباقة إلى الثورة الاشتراكية لأن الروس بفطرتهم اشتراكيون.

ويأتي رد إنجلز في المقال الذي كتبه تحت عنوان «حول العلاقات الاجتماعية في روسيا، كلاسيكياً من وجهة النظر الماركسية إلى حد بعيد..  وأنجلز يلاحظ أول ما يلاحظ  : 

” ان الثورة الاشتراكية إنما تعني اعادة تنظيم المجتمع من خلال انتصار البروليتاريا على البورجوازية وعلى هذا فإن شرط الثورة الاشتراكية ليس وجود البروليتاريا فحسب بل وجود البورجوازية ايضاً ومحاولة تكاتشيف اختصار الطريق إلى الاشتراكية إنما تدل على جهله بألف باء الاشتراكية فتكاتشيف يقر بأنه لا وجود في روسيا لبروليتاريا مدينية، ولكن يضيف أيضاً بأنه لا وجود فيها للبورجوازية كذلك وهذا معناه في نظر تكاتشيف أن الثورة الاشتراكية ستكون في روسيا اسهل منها في الغرب، لأن الاشتراكيين الروس لن يكون عليهم أن يواجهوا غير السلطة السياسية وحدها في حين أن على الاشتراكيين في أوروبا أن يواجهوا بالإضافة إليها قوة الرأسمال والحال أن النضال ضد السلطة السياسية اسهل بكثير منه قوة الرأسمال. ولكن ما يتناساه تكاتشيف هنا ان تطور القوى المنتجة شرط أولى للثورة الاشتراكية وأن هذا التطور لا يبلغ مداه المطلوب إلا بين يدي البورجوازية وعلى هذا فإن عدم وجود البورجوازية لا يعني سهولة الاشتراكية بل يعني على العكس استحالتها، لأنه يعني بكل بساطة ان القوى المنتجة لم تتطور بعد إلى الحد الكافي لانضاج الثورة الاشتراكية ”  . ( جورج طرابيشي .. الإستراتيجية الطبقية للثورة .. دار الطليعة  ..  بيروت .. ص 72 ) 

وهكذا  وبلهجة تقريرية واضحة وحزم قاس ينفى انجلز أي إمكانية للثورة الاشتراكية عن غير طريق الثورة الديموقراطية البورجوازية؛ أي قبل المرور بالمطهر الرأسمالي لكن التجربة التاريخية تأتي أيضاً لتكذب تنبؤات إنجلز، وصحة تنبؤات تكاتشيف، كما كذبت من قبل تنبؤات ماركس وصحة توقعات غوتشالك .

لينين و مفهوم الثورة الوطنية الديموقراطية

10 – إن لينين هو العبقرية الثورية التي استطاعت بفعل عقليتها الجدلية ان تعبر بالمقولات النظرية المجردة للماركسية الى حيز الواقع، فتختار الواقع عندما يتعارض مع النظرية فالممارسة هي شجرة الحياة دائمة الاخضرار فلقد كان اللقاء بين روسيا والماركسية لقاء غريباً من نوعه، وعلى كل الاحوال غير متوقع، فالماركسية هي بنت الغرب والثورة الصناعية، وروسيا هي أم الشرق وأحدث بلدان أوربا عهداً بالثورة الصناعية، وإذا كانت الماركسية هي أيديولوجية الرسالة التاريخية للطبقة العاملة، فإن البروليتارية لم يكن لها من وجود في روسيا يوم بدأت الماركسية تتسرب إليها في الستينات من القرن الماضي. كانت بنية الاقتصاد الروسي بنية اقطاعية عريقة  نصف مليون من ملاك الأراضي وثمانون مليوناً من الفلاحين الاقنان وأشباه الاقنان، اما بنية روسيا السياسية فكانت صورة مثالية عن الاستبداد الشرقي . فقد كان القيصر حاكماً مطلقاً، مفوضاً من العناية الإلهية لا حدود سلطته غير إرادته. وإذا ما خطر له ان يتخاذل أو يتسامح . وكان هناك دوماً في قمة الهرم البيروقراطي من يذكره بواجباته الأوتوقراطية. ألم تكتب الكسندرا إلى زوجها نيقولا الثاني، آخر قياصرة آل رومانوف .. تقول له : “لا تنس ابداً انك امبراطور او توقراطي وأن من واجبك ان تبقى كذلك ” .. ألم تكن تذكره باستمرار بأن روسيا تحب الملاطفة بالسوط؟ ”  . وعلى الصعيد الثقافي كانت سياسة التجهيل سياسة مقدسة متوارثة، لم يتحرر من قيدها حتى أكثر القياصرة إنفتاح فكر . ألم تقل كاترين صديقة الفلاسفة وصاحبة فولتير الى حاكم موسكو: « في اليوم الذي ستأخذ فيه فلاحينا الرغبة في التعلم فإننا لن نبقى لا أنت ولا أنا في أماكننا  . ( جورج طرابيشي .. مصدر سبق ذكره .. ص 61 و 62 ) .

ها نحن الآن إزاء مجتمع نموذجي لاحداث ثورة وطنية ديموقراطية بورجوازية، مجتمع تسود فيه علاقات الإقطاع والقنانة، مجتمع وعلاقات الحكم المطلق الاستبدادي هي السائدة فيه، مجتمع نموذجي القيام البورجوازية بدورها كما سبق وخطط الرفيقان ماركس وانجلز ولكن انتظارنا لن يدوم طويلاً، فلقد أعلنت البورجوازية الروسية عن دورها وكشفت هي الأخرى عن نذالتها وجبنها وفشلها في  إنجاز هذه الثورة في واقع الأمر.

” إن الرأسمال قد اكتسب سمعته الديموقراطية من خلال الدور التاريخي الذي قام به في أوروبا الغربية عندما دك

أسس المجتمع الإقطاعي وقاد الجماهير العريضة في المعركة المظفرة ضد انظمة الحكم المطلق، ولكن الرأسمال الروسي لم يتطور على نسق تطور الرأسمال الأوروبي . فلقد بدأ هذا الأخير من بدايات ديموقراطية وليبرالية لينتهي إلى مرحلة احتكارية وإمبريالية ، وتاريخ تحوله هذا هو تاريخ تحولها السياسي من رأسمال ديموقراطي إلى رأسمال مناوئ  للديموقراطية، والحال أن الرأسمالية الروسية ولدت من الأساس إحتكارية وإمبريالية والصناعة الروسية الرأسمالية لم تكن نتيجة لتطور الصناعة اليدوية والورش الحرفية، وإنما كانت نوعاً من الانتقال المباغت للصناعة الأوروبية التي كانت قد أدركت مرحلتها الاحتكارية .. الى قلب روسيا التي كانت ما تزال ترزح تحت وطأة القنانة والإقطاع والرأسمالية الأوروبية لم تعط الرأسمال الروسي طابعه الاحتكاري المهيمن فحسب، بل كانت لها أيضاً اليد اليمنى في تكوينه، إذ كانت المشاريع الصناعية الرئيسية في روسيا تحول من قبل الرأسمال المصرفي الأوروبي، ولا سيما الانجليزي والفرنسي. وقد قدرت مساهمة الرأسمال الأجنبي ٤٠%  من مجموع الرساميل الموظفة في روسيا .. وكانت هذه النسبة أكبر ايضاً في الفروع الصناعية القيادية. ( جورج طرابيشي .. مصدر سبق ذكره .. ص 110 ) .

وهكذا نشأت البورجوازية الروسية طبقة عميلة للرأسمال الاحتكاري الأجنبي وتابعة له، غير قادرة على اتخاذ اية مواقف وطنية، ليس هذا فحسب بل ان هذه البورجوازية ذاتها تخلت في الوقت نفسه عن مهامها الديموقراطية وشاركت الحكم الأوتوقراطي فتات السلطة ولم ترفع قط شعار الجمهورية الديموقراطية، بل كانت غاية أمانيها ملكية دستورية والحال ان هذا الموقف من البورجوازية الروسية لم ينتج عنه سوى الإبقاء على حكم آل رومانوف، أي الملكية العقارية الكبيرة ونصف الإقطاعية وهكذا أثبتت هذه البورجوازية عجزها عن أن تكون وطنية أو ديموقراطية كما أرادها الرفيقان ماركس وانجلز . 

11- هل كان يعني هذا تأجيل الثورة ؟!

 الواقع أن العقلية اللينينية لم يكن ليعجزها التبرير النظري لتنفيذ مخططها الثوري. ولقد اقتضى هذا من لينين ان يطرح شعار ثورة بورجوازية بدون البورجوازية، وعند الضرورة ضد البورجوازية، تلك كانت الأطروحة النظرية للينين وليذهب المنشفيك الى الجحيم ولينعم الارثوذكس بالماركسية !!. و

قد تمسك لينين بموقفه هذا بعد ثورة شباط ۱۹۱۷ ضد بعض البلاشفة القدماء مثل زينوفييف و كامينيف  ( وستالين الى حد ما قبل أن ينضم الى لينين).

لم تقتصر موهبة لينين على الاكتشاف المبكر بعجز البورجوازية عن أداء مهامها، بل تمتد هذه الموهبة لتكشف عن القيادة الجديدة للثورة المكونة من تحالف العمال والفلاحين والفئات الأخرى الثورية في المجتمع. إن اكتشاف هذه الصيغة التحالفية أظهرت عمق الفهم الثوري لدى لينين الذي رأى ان جبهة العدو عريضة وقوية ولا يمكن مواجهتها إلا بجبهة اعرض وأقوى، لقد وضع لينين سيناريو الثورة واكتشف ابطال الرواية.. حيث نراه يقول :

“إن دكتاتورية البروليتاريا هي شكل خاص من تحالف الطبقة البروليتارية طليعة الشغيلة، وبين الشرائح العديدة غير البروليتارية من الشغيلة البورجوازية الصغيرة صغار أرباب العمل الطبقة الفلاحية المثقفين، الخ) أو غالبية هذه الشرائح، وهو تحالف موجه ضد الرأسمال، تحالف يستهدف الاطاحة الكاملة بالرأسمال والسحق الكامل لمقاومة البورجوازية، و محاولتها  الاستيلاء على الحكم مجدداً، تحالف يرمي إلى تأسيس الاشتراكية وتوطيدها بصورة نهائية ” . ( لينين .. مقدمة خطاب : كيف ينخدع الشعب بشعارات الحرية والمساواة ) .

هكذا حدد لينين استراتيجيته الثورية بصورة حاسمة فيما يلي : اولا ، عجز البورجوازية عن القيام بمهامها التاريخية.

 ثانياً، اضطلاع تحالف العمال والفلاحين وباقي الفئات الثورية للقيام بهذه المهام بدون البورجوازية بل وضدها ايضاً.

تروتسكي ومفهوم الثورة الوطنية الديموقراطية

12- وتروتسكي هو العبقرية الثانية في الثورة الروسية بعد لينين الى الحد أن لقب  ” بعصا لينين” . والواقع أنه على الرغم من كثير من الأخطاء النظرية التي وقع فيها تروتسكي إلا انه كان يتمتع بذهن تحليلي رائع استطاع ان ينجو بتروتسكي من عصر انحطت فيه الماركسية إلى مذهبية مبتذلة.استطاع تروتسكي مبكراً ان يدرك عجز البورجوازية عن قيامها بمهامها، وأن الركب الثوري قد فات البورجوازية وان الطريق الى الثورة لا يمر من خلال قيادتها بل على اشلائها . إن تروتسكي يلتقي مع البلاشفة في تأكيدهم أن البورجوازية ليست هي محرك الثورة الروسية، ولكنه يفترق عنهم في توكيده ان الثورة الروسية ليست ثورة بورجوازية. ان ما يأخذه تروتسكي على البلاشفة هو تمسكهم المجرد. بالتسمية البورجوازية للثورة». إ

ذ نراه يقول : 

” إن العبارة السوسيولوجية العامة ثورة بورجوازية لم تعد قادرة على حل القضايا السياسية والتكتيكية ولا

التناقضات التي يطرحها علينا تركيب ثورة بورجوازية ”  .

إن نقطة الخلاف بين لينين وتروتسكي حول إستراتيجية الثورة يكمن في أن لينين كان يعتبر ان انجاز الثورة الوطنية الديموقراطية شرط لقيام دكتاتورية البروليتارية بينما تروتسكي كان يعتبر ان دكتاتورية البروليتارية هي الشرط المسبق الضروري لإنجاز مهام الثورة الديموقراطية. وإن كانا قد اتفقا أن مهام هذه الثورة قد تجاوزت البورجوازية الى القوى الثورية في المجتمع مع الأخذ في الاعتبار اعتراض تروتسكي على لفظ الثورة الديموقراطية البورجوازية الذي اصبح غير ذي معنى بعد ان تجاوزت هذه الثورة البورجوازية “. 

الثورة الصينية وماوتسي تونج

13-  وبنفس الطريقة التي أثبتت بها البورجوازية الروسية عجزها وجبنها عن انجاز الثورة الوطنية الديمقراطية، كان العجز المذري للبورجوازية الصينية، فالقطاعات الكبيرة من هذه الطبقة اختطت لنفسها خط المهادنة والتعاون مع اليابانيين المحتلين و الإمبرياليين الاحتكاريين  ، وقد تعاونت مع الاقطاع و الحكم الأوتوقراطي فأثبتت بذلك استحالة انجاز الثورة الوطنية الديموقراطية بقيادتها .. ولكن لأن شجرة الحياة دائمة الاخضرار ، فلقد استطاع ماوتسي تونج ان يحدد وجهة نظره في هذه الثورة وان يضع استراتيجيته الثورية المتواضعة مع وجهة النظر تلك .. قائلا :

” بما أن مجتمعنا الصيني الراهن لا يزال مستعمراً وشبه مستعمر واقطاعي فإن الأعداء الرئيسيين للثورة الصينية لا يزالون هم الامبرياليون والقوى الاقطاعية. وبما أن مهمة الثورة الصينية تقوم على تنفيذ الثورات الوطنية والديمقراطية من أجل الإطاحة بهذين العدوين وبما ان القوى التي سوف تطيح بهما لا تزال احياناً متضافرة مع البورجوازية الوطنية ومع جزء من البورجوازية العليا، ورغم أن البورجوازية العليا قد خانت الثورة وانضمت الى العدو، ومع ذلك كله فإن خنجر الثورة يجب الا يسدد ضد الرأسمالية والملكية الخاصة الرأسماليين، بل ضد الاحتكارات الامبريالية والإقطاعية. وبناء عليه فإن طبيعة الثورة الصينية في مرحلتها الحاضرة ليست من الاشتراكية البروليتارية بل هي من الديموقراطية البورجوازية. غير أن الثورة البورجوازية ليست هذا النوع القديم والمعتاد للثورة البورجوازية، لأن هذا النوع من الثورات قد أصبح عتيق الطراز .. كلا وعلى العكس، فإنها ديموقراطية بورجوازية من نوع جديد وخاص .. وهذا النوع من الثورة بتطور في الصين، وجميع البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة الأخرى ونحن ندعو هذا النوع من الثورات الثورة الديموقراطية الجديدة . ( روبرت ماين .. ماوتسي تونج .. المؤسسة العربية للدراسات والنشر .. ص 212 ) . 

14 – هكذا استطاع ماوتسي تونج ان يرسم استراتيجيته للثورة المحتملة في الصين ، وكان من الجرأة ان يعلن خروجه على ذلك ، النوع القديم والمعتاد للثورة البورجوازية : لان هذا النوع من الثورات قد أصبح عتيق الطراز ، : وليعلن عن ذلك النمط الجديد للثورة ، حتى لفظ ، ثورة بورجوازية ديموقراطية ، أصبح لفظاً بالياً بالنسبة للاسم الجديد ، الديموقراطية الجديدة ، فلقد اعتبر ماوتسي تونج هذه الأخيرة بمثابة فترة للتحول الاشتراكي وتصفية العلاقات الاجتماعية القديمة وإحداث الشروط الموضوعية والذاتية للانتقال الى الاشتراكية فلقد نفى ما وتسي تونج أي إمكانية القيام ثورة بقيادة البورجوازية ورأى أن فترة الديموقراطية الجديدة هي شرط أساسي للانتقال إلى الاشتراكية لذلك يقول في كتابه . الديموقراطية الجديدة ، الذي نشره في ١٩ كانون  الثاني  / يناير    ١٩٤٠ : 

“ا ان لمرحلة الأولى هي الديموقراطية الجديدة، والثانية مرحلة الاشتراكية بيد أن ديمومة المرحلة الأولى ستكون طويلة .. بالاحرى، ومن المؤكد أن إتمامها يتعذر الحصول عليه بين ليلة وضحاها لاننا لسنا من أصحاب الرؤى الحالمين، إذ لا نستطيع اعتاق انفسنا من الحقيقة الواقعية للوضع. فلو قلنا عن المرحلتين الثورتين بأن المرحلة الأولى هي «شرط سابق للثانية وأنه يجب قيام المرحلتين بالتتابع دون السماح لأية مرحلة من دكتاتورية البورجوازية بالتداخل بينهما، فإن هذا القول صحيح . ( روبرت باين .. مصدر سبق ذكره .. 181 ) .

إن الصيغة الأساسية في كتابات ماو تسي تونج حول هذه القضية – أي قيادة الثورة الديموقراطية الجديدة – لا تختلف كثيراً عن تلك التي أبدعها لينين أي اقامة تحالف من القوى والطبقات الثورية لمواجهة الجبهة المناهضة المكونة من الامبرياليين والإقطاعيين والقطاعات العليا من البورجوازية الصينية. لقد حدد ماوتسي تونج طبيعة التحالف الجديد من كتلة الاربع الفلاحين العمال البورجوازية الصغيرة البورجوازية الوطنية، وهو التحالف صاحب المصلحة في إنجاز الثورة الديموقراطية الجديدة، ثورة التحول إلى الاشتراكية.

الماركسية السوفياتية

15 – بعد أن انتهينا من هذا السرد التاريخي لتطور مفهوم الثورة الوطنية الديموقراطية، والشكل الجديد الذي أصبح عليه من خلال التطبيق داخل المعسكر الماركسي نفسه .

 نلخص النتائج التي حصلنا عليها من هذا العرض : 

أولاً: استحالة قيام مايسمى بالثورة الوطنية الديموقراطية واقعياً لعجز البورجوازية من دول المستعمرات عن القيام بدورها في قيادة هذه الثورة.

ثانياً: أثبتت بورجوازيات البلدان المستعمرة تهادنها وخيانتها المستمرة للمبادئ الوطنية والديموقراطية وتحالفها مع الامبرياليين والاقطاعيين والحكم المطلق.

ثالثاً : أن مهام الثورة الوطنية الديموقراطية أصبحت تقع بشكل أساسي على عاتق تحالف القوى الثورية في المجتمع، وهي قوى الشعب العاملة وقوى العمال، والفلاحين، والمثقفين الثوريين، والرأسمالية الوطنية وباقي الفئات الثورية في المجتمع . 

رابعاً إن الانتقال من المجتمع الإقطاعي المستعمر المتخلف الى الاشتراكية لا يتطلب المرور بالمظهر الرأسمالي، بل هناك حاجة لفترة تحول إلى الاشتراكية التي سماها ما ونسي الديموقراطية الجديدة، والتي يطلق عليها في الأدبيات الناصرية (فترة التحول الاشتراكي) وهكذا لم يعد انجاز الإشتراكية يتطلب شروطاً مادية معينة، وهذا ليس من عندنا بل ما يقوله مؤلفو (أسس الماركسيةاللينينية ) وهو كتاب شارك في تأليفه ٢٩ من علماء الاتحاد السوفييتي .. حيث  نراهم يقولون : 

“إن خبرة الاتحاد السوفييتي  ( السابق ) قد أثبتت أنه يمكن في أيامنا هذه – أن يتطور المجتمع إلى الاشتراكية أيا كان مستوى تطوره الاقتصادي. بل نراهم يقولون أيضاً: إنه في أيامنا هذه هناك أساس لتحالف اجتماعي وسياسي أكثر من ذي قبل بين الطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة بل وبعض الرأسماليين أنفسهم.

وهكذا يأتينا الاعتراف بفشل هذا المفهوم عن الثورة الوطنية الديموقراطية من بلد  كان يعتبر نفسه المدافع الأول عن الفلسفة الماركسية، فهل يتذكر ذلك الماركسيون العرب ؟

علينا الآن أن نبحث في الأساس النظري للنتائج التي حصلنا عليها، فليس يكفي في رأيي أن نرصد الظواهر العملية ونديجها في دراسات طويلة، بل علينا أن نبحث في القوانين التي حكمت حدوث مثل هذه الظواهر على هذا النحو وليس غيره، فعلينا أن نجيب على سبيل المثال على الأسئلة المتعددة التي تواجهنا، فعلينا أن نعرف على سبيل المثال: لماذا فشلت بورجوازيات العالم المتخلف المستعمر عن أداء دورها القيادي؟ ولماذا قادت مشكلة التنمية في العالم الثالث إلى الاشتراكية؟ ثم لماذا برز الدور الخطير السلطة القوى والطبقات الثورية في قيادة التنمية؟ تلك أسئلة خطيرة ومهمة لاستكمال الحوار النظري حول القضية التي نحن بصددها.

البلدان المتخلفة من الاستقلال الى التنمية الاشتراكية

16 – واقع الأمر أنه بدخول الرأسمالية مرحلة الاحتكار ورأس المال الحالي فلقد تعدت الرأسمالية أشكالها القديمة ودخلت مرحلة تصدير رؤوس الأموال شكلا امبرياليا . على ان أهمية هذه الفترة لا تكمن على وجه الدقة من الاستنزاف الفظيع للأرباح من بلدان المستعمرات لصالح الاستعمار، بل لقد أدى تقسيم العمل العالمي بواسطة الاحتكارات العالمية الى ظاهرة خطيرة على مستقبل البلدان المتخلفة لما لها من تدمير واضح على اقتصاديات تلك البلدان فلقد تم تحويل هذه البلدان إلى مصادر دائمة للموارد الخام ثم تطوير اقتصادها على أساس التخصص في إنتاج المواد الخام زراعية ومعدنية. إن الاستعمار استطاع في وقتنا الحاضر أن يطور من أشكاله بعد أن أصبح عاجزاً عن الاحتفاظ بجيوشه ونهبه المباشر داخل المستعمرات بعد أن تطورت الحركات الوطنية والشعبية تطوراً كبيراً بعد الحرب العالمية الثانية خصوصاً.

إن الشكل الجديد للسيطرة الاستعمارية قائم على صورة جديدة للنهب الاستعماري وهي ظاهرة التجارة غير المتكافئة عن طريق الخفض المستعمر الأسعار المنتجات الزراعية والمواد الخام مع الارتفاع المطرد في أسعار السلع والمنتجات المصنعة داخل الدول الامبريالية إن هذه الظاهرة نتج عنها نتيجة خطيرة للغاية ففي الوقت الذي يزداد فيه معدل التصنيع في البلدان الرأسمالية يتحطم فيه الإنتاج الصناعي في بلدان المستعمرات. والرأسمالية في تطورها تزيد من التركيب العنصري لرأس المال، أي أي بالنسبة بين العمل المختزن والعمل في السلعة الناتجة، إن ذلك لا يتم إلا بانقاص نصيب العمل (أي الأجور) من القيمة المضافة لثمن السلعة فينخفض سعرها، وذلك لا يتم بطبيعة الحال إلا عن طريق الاهتمام بتطوير الآلة والاستغناء المستمر عن العمل البشري، مما ينتج عنه في النهاية زيادة في رأس المال وفي الوقت الذي يتطور فيه التركيب العضوي لرأس المال الاستعماري المصدر إلى بلاد المستعمرات ينخفض في ذات الوقت التركيب العضوي لرأس المال في البلدان المتخلفة. ويزداد التفاوت بين النوعين، بين الكيان الاقتصادي في البلاد الرأسمالية من ناحية والبلدان المتخلفة من ناحية أخرى. هذا غير أن التجارة غير المتكافئة هي في جوهرها تبادل سلع ذات تركيب عضوي منخفض لرأس المال مسلح ذات تركيب عضوي عال، هي تصدير عمل قيمته منخفضة في صورة سلع خام واستيراد عمل قيمته عالية في صورة منتجات عالية التصنيع، وليس يفيد في ايقاف تلك العملية أي معادلات للاتفاق على تثبيت الاسعار للسلع في السوق العالمي في المدى الطويل، فإن قوانين القيمة وقوانين تبادل السلع لا يمكن الإفلات منها ما دام التفاوت في التقدم الاقتصادي موجوداً بين هذين النوعين من البلاد. إن البلاد المتخلفة حتى لو تحررت من الاحتلال العسكري والتبعية السياسية وحتى لو طردت رؤوس الأموال الاستعمارية فهي لا تفلت من قبضة النهب الاستعماري. فما دامت تلك البلاد متخلفة اقتصادياً لا يمكن إلا أن تكون ضحية للتجارة غير المتكافئة لذلك فالاستقلال الاقتصادي لم يعد معناه مجرد التخلص من رؤوس الاموال الاجنبية والاستحواذ على السوق المحلي بل أن الاستقلال الاقتصادي يعني بالدرجة الاولى قيام اقتصاد وطني ذي تركيب عضوي عال الرأس المال، غير أن رأس المال هو عامل الندرة الأساسي الذي يلزم الدول المتخلفة كي تطور اقتصادها وفي هذا يمثل الاستقلال الذي تمارسه الاحتكارات العالمية في أسواق الدول المتخلفة أحد العقبات الاساسية أمام قيام صناعة حديثة، ذلك لأنه يرفع التكاليف الاولية ورأس المال الثابت لانتاج السلع الصناعية خاصة منتجات الصناعة الثقيلة الأساسية.

17- إن مشكلة الاستثمارات الضخمة التي يستلزمها قيام صناعة حديثة لها تركيب عضوي عال لرأس المال تتجسد في قيام الصناعات الثقيلة كالحديد والصلب والصناعات المعدنية والكهربائية والكيماويات .. الخ. وهذه الصناعات تستلزم قدراً كبيراً من رأس المال سواء بالنسبة لعدد العمال المشتغلين بها أو بالنسبة إلى قيمة السلع الناتجة عنها انها تستلزم حداً ادنى من حجم المشروع لا تعد قيمته في حالات كثيرة عن عدة ملايين من الجنيهات. وبجانب ذلك فإن غرس صناعة ثقيلة في الاقتصاد المتخلف يلاقي تربة غير مهيأة من نواح عديدة ، فإن هذه الصناعات تستلزم شبكة من المواصلات والخدمات كالتخزين والقوى المحركة والصناعات المكملة سواء الموردة للمواد الخام أو قطع الغيار وغيرها وتحتاج إلى مستوى عال من الخبرة الفنية والتأهيل المهني ، كل ذلك يضيف نفقات جسيمة إلى التكاليف الأولى للانشاء ويستلزم بالتالي مزيداً من المدخرات المالية لاقامته ، وتصبح المشكلة هي اقامة اقتصاد وطني متكامل مستقل عن الاستعمار ، وهي بالدرجة الأولى مشكلة إقامة صناعة ثقيلة  ” ( علي أحمد نجيب .. رأي في الثورة الوطنية في مصر .. دار العربي للنشر والتوزيع .. ص 7 و 8 ) .

“إن الندرة في رؤوس الأموال وعجز رأسماليات البلدان المتخلفة أن توفر مثل هذا الحجم الكبير لأحداث وبناء اقتصاد وطني، عمق من حدة المشكلة، ووضع بورجوازيات البلدان المتخلفة على الطريق المسدود، فليس أمامها من خيار في التعامل مع الاحتكار العالمي وأن تعيش على ما يلقيه لها. إن رؤوس الأموال في البلاد المتخلفة غالباً ما تحقق أعلى معدلات الربح بإقامة الصناعات ذات التركيب العضوي لمنخفض لرأس المال باستخدام العدد الكبير من العمال بأقل الأجور التي غالباً ما تقل عن حد الكفاف. إن رأس المال يتحرك في اتجاه الربح والرأسماليين يستثمرون رؤوس أموالهم في المجالات التي تحقق أكبر معدلات الربح بحيث تكون النتيجة في نهاية الأمر الحصول على نفس معدل الربح تقريباً في كافة مجالات الاستثمارات المختلفة. إن الاستثمار العقاري وتكوين الشركات التجارية والشركات الصناعات الاستهلاكية الخفيفة هي أكثر المجالات اجتذاباً لرؤوس الأموال. ونتيجة لكل هذه العوامل لم يكن من مصلحة رأس المال الخاص أن يندفع إلى الاستثمار في الصناعات الثقيلة، كما أنه لم يكن لدى البورجوازية الناشئة القدر من المدخرات الذي يسمح لها بدخول ذلك الطريق – حتى لو أرادت. وبلغة أخرى لم يكن لدى البورجوازية إلا أن تكتفي بأن تستحوذ على مجالات الاستثمارات المتواضعة التي تفتحها الصناعات الخفيفة أو التجارة في السلع المستوردة وتصدير المواد الخام. إن اتجاه الرأسماليين إلى الصناعات الخفيفة ومجالات الاستثمار الأخرى من تجارية وعقارية معناه تأخير قيام الصناعات الاساسية التي بدونها لا يمكن انتاج ادوات الانتاج – إن تأخير قيام الصناعات ذات التركيب العضوي العالمي لرأس المال هو في الحقيقة نفي للاستقلال الاقتصادي” . ( علي أحمد نجيب .. مصدر سابق .. ص 9و 10 ) .

18- ” فبدخول العالم في مرحلة الثورة الاشتراكية وأزمة النظام الاستعماري العامة، وجدت ظروف جديدة لم تعد تسمح بنجاح البورجوازية الوطنية في مهام إقامة اقتصاد وطني تلك العوامل التي نشأت من تزايد الضغط الاستعماري على اقتصاديات الدول المتخلفة بحيث لم يعد ممكناً أن تنهض البورجوازية بهذا الهدف.

لقد أوضحت ظروف الهند المستقلة ان التزامها النظام الرأسمالي لا يسمح لها بأي حال بمعدل كاف من النمو لرفع

مستوى معيشة الجماهير أو حتى تعويض الزيادة السنوية في عدد السكان ان تتبع خطة التنمية الهندية في مشاريع السنوات الخمس الأولى والثاني والثالث يوضح خطورة الاعتماد على رأس المال الخاص الاجنبي أو الهندي في القيام بالمشاريع الاساسية للصناعات الثقيلة فقد تخلت رؤوس الأموال هذه عن القيام بمشاريع الألومنيوم والحديد وكثير من المشاريع الأساسية في الخطة الأولى مما كان عاملاً مباشراً في تخلفها عن تحقيق أهدافها وذلك يوضح اطراد تناقض نسبة الاستثمارات الخاصة بالقطاع الخاص في خطة التنمية وزيادة نسبة استثمارات القطاع العام من مشروع خماسي إلى آخر. في نفس الوقت وعلى الرغم من هذا الاتجاه، نجد أن الهند لم تتخلص بعد من الاستثمارات الاستعمارية التي تبلغ نسباً تتراوح بين ٢٠٪/٩٠٪ من أول صناعة الحديد والسيارات والبترول الى مزارع الشاي .. الخ وعلى الرغم من التغييرات التي طرأت على خطة التنمية في الهند ما زالت متمسكة الى حد بعيد بطريق التطور الرأسمالي ولم تتمكن بعد من تصفية علاقاتها برأس المال الاستعماري. ولم تتمكن بعد من ان تحقق معدلاً عالياً في التنمية أو تضع الأساس لبناء اقتصاد وطني مستقل عن الاستعمار.

وفي تركيا التي قامت بالثورة الوطنية منذ أربعين عاماً ونجحت في التخلص من الاحتلال الأجنبي واحراز الاستقلال السياسي فإنها اليوم ما زالت أو هي انتكست الى وضع شبه مستعمر – بحيث لا تعتبر في حاجة الى ثورة اشتراكية بالمعنى التقليدي بل إنها تحتاج إلى ثورة وطنية تفصم ارتباطها بالاقتصاد الاستعماري وتعيد بناء اقتصادها الوطني وتخلصها في نفس الوقت من الأحلاف العسكرية والتبعية السياسية بالاستعمار ” . ( على أحمد نجيب .. مصدر سابق .. ص 15/16).

التجربة الناصرية والثورة الوطنية الديموقراطية

19 – نفس ما حدث في الهند وتركيا حدث في مصر، فلقد نكصت الرأسمالية المصرية عن أداء دورها التنموي، ويحكي الدكتور إسماعيل صبري عبد الله في كتابه كتابات سياسية قصة هذا النكوص بقوله :

“في أغسطس ١٩٥٩ صدر قرار رئيس الجمهورية باعتماد الخطة العامة للدولة للسنوات الخمس كمرحلة أولى من خطة عشرية تستهدف مضاعفة الدخل القومي عن طريق تنمية مناسبة في جميع القطاعات مع عناية خاصة للتصنيع. ولكن ما كادت الخطة الخمسية الأولى تأخذ طريقها إلى التنفيذ حتى اتضحت بعض الأمور الهامة التي استخلصت منها القيادة الثورية إنه لا يمكن تحقيق اهداف التنمية بدون تغيير عميق في الهيكل الاقتصادي المصري وفي العلاقات الاجتماعية السائدة فيها ، فقد أفسحت الخطة الخمسية الأولى في الاصل مكاناً رحيباً للقطاع الخاص وعولت عليه في تنفيذ جزء هام من مشروعاتها مبقية للقطاع العام عبء المشروعات الضخمة قليلة الربح المباشر ( السد العالي – استصلاح الاراضي . التعدين ، البترول ، الخ … ) .. ولكن الرأسمالية الكبيرة أحجمت عن ما ورد بالخطة وأخذت منها موقفاً سلبياً وعملت على حجب مواردها الضخمة في تحويل الخطة بل أنه يمكن أن نقول أن موقف الرأسمالية من التنمية قد زاد سوءاً عما قبل اجراءات التمصير ونمو القطاع العام حملت أجر ، منها على أعمال التجديدات ناهيك عن التوسع وتحويل المشروعات الجديدة . ( دكتور اسماعيل صبري عبد الله .. كتابات سياسية 1965 / 1970 ) . 

20- هكذا أثبتت البورجوازية المصرية أيضاً عجزها عن تحقيق أي تنمية بل تدميرها المستمر للاقتصاد الوطني عن طريق تبعيتها الاحتكارات الصناعية والمالية الاجنبية. ومن هنا كانت إجراءات يوليو الاشتراكية التي صفت الرأسمالية الكبيرة وحدث من تواجدها الفعلي، وشرعت في نفس الوقت في بناء قطاع عام قوي يقود التنمية معلنة عن بدء فترة التحول الاشتراكي واتخاذ الاشتراكية العلمية كنظام لاحداث تنمية حقيقية، فقد نشأ من ضربات يوليو سنة ١٩٦١ اتساع مهول في القطاع الملوك ملكية تامة للدولة ويشمل هذه الركائز الاساسية للانتاج في الصناعة والتجارة والتحويل والنقل الخ. كما أن قوانين يوليو ١٩٦١ دعمت من قطاع رأسمالية الدولة وهو القطاع الذي كانت تشارك فيه الدولة مع الرأسمال الخاص.

أما قوانين اغسطس سنة ١٩٦٣ فقد حولت جزءاً كبيراً من القطاع المملوك ملكية مشتركة بين الدولة ورأس المال الخاص إلى ملكية تامة للدولة . ولقد بلغ هذا القطاع حداً كبيراً من الاتساع وسيطرت عليه علاقات إشراك العمال في الربح والإدارة والرقابة، وأصبح هذا القطاع هو القائد لعملية التنمية بشكل فعلي وواقع الامر ان الظروف الخاصة بمصر قد حكمت منذ البداية نشأة هذا القطاع الاشتراكي بعد مرحلة طويلة من التجريب لنمط النمو الرأسمالي بعكس ما حدث في بلدان مثل الاتحاد السوفييتي والصين، التي بدأت ببناء قطاع اشتراكي منذ البداية قاد هو التنمية الاشتراكية في تلك البلدان.

21- على أن هذا لا ينفي أن الاقتصاد السوفييتي والصيني استمر لفترات طويلة تتراوح فيه علاقات عديدة من القطاعات الاقتصادية، فالاقتصاد السوفييتي اعتمد اساساً على ذلك القطاع الذي تكون بتأميم أو مصادرة أهم ركائز الإنتاج التي كان يمتلكها الرأسماليون الكبار الروس أو الاجانب، وبجانب ذلك القطاع الاشتراكي وجد ايضاً قطاع رأسمالية الدولة ثم القطاع السلعي الصغير. كما أن الاقتصاد الصيني ظل عدة سنين في مرحلة انتقالية تتراوح فيها علاقات انتاج متعددة بقيادة القطاع العام الاشتراكي حتى تم تصفية العلاقات الرأسمالية الى حد كبير. أما في مصر فإن التحول الاشتراكي لم يبدأ بقفزة واحدة يتحقق فيها قيام قطاع اشتراكي يقود هذا التحول، بل كان قيام هذا القطاع عبر قفزات تم فيها تصفية القطاع الرأسمالي ونشأة القطاع الاشتراكي على أنقاضه. والواقع أن الظروف التي جدت على العالم الحديث كما سبق و أوضحنا من تصاعد نمو الاشتراكية في العالم، والظروف الضاغطة التي تواجه الاستعمار العالمي ونمو الحركات الوطنية في العالم حكمت بالعجز على بورجوازيات البلدان المتخلفة في قيام اقتصاد وطني. من هنا أصبح انتهاج الاشتراكية العلمية هو الامل الوحيد امام الاستقلال الاقتصادي والتنمية. وأصبح بناء الاشتراكية لا يتطلب كما أقر مؤلفو « أسس الماركسية اللينينية» لا يتطلب وضعاً اقتصادياً معيناً ، بل أن المجتمعات – كما يقولون – يمكن ان تتطور الى الاشتراكية أياً كان مستوى تطورها الاقتصادي. على أن ذلك لا يعني القفز الى المجتمع الاشتراكي مرة واحدة، بل أن ذلك يتطلب فترة من التحول إلى الاشتراكية تسمح بتصفية العلاقات الاقطاعية والرأسمالية واقامة الأساس المادي لبناء القطاع الاشتراكي. وهكذا تصبح الثورة الاشتراكية ثورة ذات مهمتين المهمة الأولى هي مهام التحول الاشتراكي، تتلخص أهدافها، في حل

المسألة الزراعية، القيام بالتحديث الصناعي، تحويل السلطة السياسية إلى الطبقات والقوى الثورية. تلك الفترة التي سماها ماوتسي تونج ، الديموقراطية الجديدة، إن فترة التحول الاشتراكي فترة ضرورية لإقامة مجتمع الاشتراكية وتحقيق السيطرة الكاملة للشعب على وسائل الإنتاج.

واقع الأمر أن الثورة في البلدان المتخلفة قد أظهرت أن قيام تحالف بين الطبقات الثورية هو ضرورة موضوعية القيادة الثورة الاشتراكية – كما أظهرت التجربة في الاتحاد السوفييتي السابق  والصين – كما سبق و أوضحنا في العرض التاريخي.

22 – إن تطور معارك التحرر والاشتراكية وتمازجهما أكسب قيادة هذه المعارك محتوى جدياً ، إن الطبقات الثورية التي شاركت في هذه المعارك هي :

أولا الطبقة العاملة وهي الطبقة التي ليس لها مصلحة في انجاز المعركة الوطنية فحسب بل يقع عليها عبء كبير من الاستغلال سواء الاستعماري أو الرأسمالي أياً كانت طبيعة المستغلين. وقد قامت الطبقة العاملة في مصر بدورها منذ نشأتها الحديثة وشاركت في كل الطبقات الثورية من ثورة ۱۹۱۹ ثم تحركات الثلاثينات ضد الرجعية الرأسمالية الاقطاعية المتحالفة مع الاستعمار ثم ظهرت بقيادة جديدة وساهمت بدور قيادي في اللجنة الوطنية للطلبة والعمال في هبة ١٩٤٦ ومنذ ذلك الوقت كانت تتجاذب مع البورجوازية الوطنية قيادة الثورة. ولو أنه يمكن ان يقال ان هبة ١٩٤٦ بقيادة اللجنة الوطنية للطلبة والعمال تمثل في الحقيقة نقطة تحول إذ في ذلك الوقت اتضح إفلاس الأحزاب البورجوازية وانه يجب أن توجد قيادة جديدة تمثل الطبقة العاملة تكون قادرة على قيادة الهبات الثورية للجماهير وان ١٩٤٦ كانت أول محاولات إيجاد هذه القيادة الجديدة.

ثانياً: الفلاحون. إن ثورة الفلاحين مرتبطة أساساً بقضية توزيع الأرض، وتحت قيادة البورجوازية انتهت كل الثورات التي شارك فيها الفلاحون يتهاون الرأسماليين مع ملاك الارض الإقطاعيين. ومع تحول علاقات الإنتاج تدريجياً في الريف المصري إلى الرأسمالية الزراعية بجانب الارتباط العضوي بين الرأسماليين الجدد وأصولهم الاقطاعية كان يدفع شعارات الارض الى النسيان بمجرد انتعاش ظروف البورجوازية ونجد أن قضية التحرر بالنسبة للفلاحين ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقضية الأرض وقد شارك الفلاحون في مصر في كل الثورات التي هبت منذ ثورة عرابي وعلى الرغم من أن مشاركة الفلاحين لم تكن فورية في هبة ١٩3٦ الثورية إلا أنه من ذلك الوقت ارتفع على نطاق جماهيري شعار الارض لمن يفلحها وقامت هبات الفلاحين كحركة بهوت .. الخ.

ثالثاً: البورجوازية الصغيرة هذه الفئة تمثل كتلة أساسية في كل الهبات الثورية في المدن والمشكلة بالنسبة للبورجوازية الصغيرة هي هل تستمر في ثوريتها إلى مدى أبعد من مجرد أهداف التحرر؟ 

إن الطريق الذي سارت فيه حركة التحرر واكتسابها مضموناً اجتماعياً قد فتح آفاقاً جديدة لهذه الفئة لا تجعل تطلعاتها في اتجاه انتقال أفرادها إلى الطبقة الاعلى الى صفوف البورجوازية إنما سارت حركة التحرر في اتجاه جديد اكتسب مضموناً اجتماعياً يصفي الرأسمالية نفسها. غير أن البرجوازية الصغيرة التي تتكون من فئات وشرائح متعددة لا يضار أغلبها في عملية التحول الاشتراكي بل يستفيد، فإن رفع الاستغلال الرأسمالي لا يفيد الطبقة العاملة وحدها إنما يفيد منه كل فئات الكادحين، يفيد منه الحرفيون وأصحاب الحوانيت، وصغار التجار، فاتساع الإنفاق العام على الخدمات بصورة خاصة ينعكس في خدمات مباشرة في الصحة والتعليم والتموين … الخ. كما يفتح مجال العمل لفئات اكثر اتساعاً مع اتساع نشاط القطاع العام وزيادة معدل التنمية ومن ناحية أخرى فإن مجالات النشاط الاقتصادي للبورجوازية الصغيرة التي تمثل أصغر فئات الرأسماليين لا يتناولها التحول الاشتراكي الا بعد أن يضفي الاستغلال الرأسمالي في المستويات الأعلى منها وفي هذه الحالة فإن تلك الفئات إذ يتم التحول في مجالاتها في صورة تعاونيات أساساً كما ان الذين يشتركون بوحداتهم الانتاجية لا تتأثر دخولهم بتحولهم الى عمال بل تزيد دخولهم واطمئنانهم العيش. 

ويمكن أن نعتبر من فئات البورجوازية الصغيرة فئات واسعة من المواطنين والعاملين في جهاز بيروقراطية الدولة .  وهؤلاء يشبه وضعهم وضع المثقفين في أنهم على الرغم من أنهم يشكلون جزءاً أساسياً من جهاز الدولة القديم وادوات تسيير الجهاز الاقتصادي القديم .. فإنهم قوة ثورية .. وهم لا يمكن ربطهم بالطبقة المُستغلة .. بل على العكس .. هم أنفسهم موضع استغلال .. وسرعان ما يتحولون إلى خدمة السلطة الجديدة التي تحتاج إليهم .. بل توليهم المهام التي كان يقوم بها الرأسماليون عندما كانوا يملكون أدوات الإنتاج . ولذلك نجد وضعهم يتحسن وتتفتح أمامهم فرص لم تكن متوفرة لهم .. ويتكون الجهاز البيروقراطي الجديد من المثقفين وخريجي المدارس العليا والجامعات .. بعد أن تحسنت أحوالهم وارتفع مستواهم المادي والإجتماعي .

إننا لا يمكن أن نعتبر الأغلبية الساحقة من المشتغلين في جهاز الدولة البيروقراطي أعداء للتحول الاشتراكي بل إنهم من المستفيدين منه والمثقفون بصفة خاصة – بخلاف شريحة ضيقة منهم تخدم الطبقات المستغلة وتنصهر فيها تماماً . يمكن أن نعتبرها من الشرائح المستفيدة و المتحمسة للتحول الاشتراكي . ( علي أحمد نجيب .. مصدر سابق ص 55/ 56 ).

رابعاً: الرأسمالية الوطنية : أما البورجوازية الوطنية فهي التي يحدث تغيير جذري في فئاتها مع سير الثورة في طريقها فإن الرأسمالية الكبيرة الصناعية منها والمالية أو التجارية يجري تضييق الخناق عليها باستمرار وتصفية مراكزها المادية الصالح القطاع الاشتراكي، إلا أنه يبقى شرائح متوسطة وصغيرة من الرأسمالية كانت تلقى الاستغلال المادي والتضييق من جانب الشرائح العليا المتعاملة مع الاستعمار والاحتكار العالمي إن قانون المنافسة والاحتكار الرأسمالي كان يلقى بهذه الشرائح في قاع السلم الرأسمالي لعجزها عن المنافسة المادية أو التكنيكية مع الرأسمالية الكبيرة، الكمبرادورية منها خصوصاً. إن هذه الشرائح تجد متنفساً لإزدهارها في ظل التحول الاشتراكي بما توفره لها الدولة من إمكانيات مادية وفنية .

كل هذا يجعل من الشرائح حليفاً للقوى والفئات الثورية السابقة وهكذا نجد أن المفهوم القديم الذي كان يتصور أن مجتمعاً كمجتمعنا يجب أن يمر بثورتين أو مرحلتين ثورتين قد كذبه الواقع . لقد كان يقال انه يلزمنا ثورة وطنية ديموقراطية ثم ثورة اشتراكية . وكان يقال ان الثورة الوطنية تخص البورجوازية ومن واجباتها، وأن الثورة الثانية تخص الطبقة العاملة فقط . غير أن الواقع الجديد قدم لنا مضموناً جديداً هو أن الواجبات الثورية التي تخص الثورة الوطنية قد امتزجت مع الواجبات الثورية للاشتراكية في ثورة واحدة ذات مهمتين، الأولى منهما هي مهمة التحول الاشتراكي والثانية متداخلة معها تلقائياً وهي بناء الاشتراكية ان الظروف الجديدة حكمت بالإعدام على أي ديموقراطية للبورجوازية وأفسحت في نفس الوقت مكاناً رحباً لديموقراطية الشعب العامل ، الديموقراطية الاشتراكية .

عبد الناصر والثورة الوطنية الديموقراطية

23 – لم أشأ منذ البداية التحدث عن مفهوم  عبد الناصر من خلال خطبه ، لأنني وكما قلت من قبل لست من هواة اقتطاع مقولات الرجل ثم التعليق عليها ببعض الجمل التقليدية .. كما يفعل البعض ، ولذلك  حرصت على عرض  مفهوم ” الثورة الوطنية الديموقراطية ” وأصوله الفكرية والمنهجية .. وصولا ً لما طبقته التجربة الناصرية  في الواقع العملي .من خلال الواقع العالمي والتجارب الانسانية وكيف استفادت منها التجربة الناصرية بدون حدود، وكما قال عبد الناصر نفسه : أن تجربته  لم تنغمس في النظريات بحثاً عن الواقع بل انغمست في الواقع بحثاً عن النظرية، وتلك هي ميزة  التجربة الناصرية التي نبعت من مشاكل الأمة العربية وظروف مصر  ، فكانت حلاً ناجحاً لهذه المشاكل والظروف رغم الأخطاء التي  يمكن أن تكون حدثت هنا وهناك .. في هذا  القطاع أو ذاك .

لا أطيل، فالمتبقي من هذه   الدراسة عن الثورة “الوطنية الديموقراطية ” هو من أقوال عبد الناصر نفسه ، تثبت  النتائج التي استخلصتها من العرض السابق، دراسة من أقوال الرجل نفسه توضح كيف فهم طبيعة المرحلة الثورية التي قادها وتحمل نتائجها بشجاعة منقطعة النظير : 

تحالف الإقطاع مع الرأسمالية

يقول عبد الناصر عن :

1

– تحالف الرجعية مع الاستعمار : “لقد كان من المستحيل علينا أن نقضي على الاستعمار إلا إذا بدأنا بالقضاء على أعوان الاستعمار وفي الحق أن أعوان الاستعمار كانوا أشد خطراً من الاستعمار. ذلك أن الاستعمار في زماننا لا يجيء سافراً” ، (افتتاح مجلس الامة ٢٢ /(٧ / 1957) .

2-  “كنت أحس أن الرجعية في العالم العربي تتكتل مع الاستعمار حتى تقضى على فكرة القومية العربية وعلى الفكرة التقدمية، وحتى تدافع عن نفسها من الاشتراكية” . (عيد الوحدة ٢٣ فبراير ١٩٦٦).

3-  “كان الفائض الذي يتبقى في البلاد من فئات ما ترك الاستعمار لا يترك للشعب وانما يترك معظمة للذين يخدمون  الاستعمار من غير أبناء البلاد..  أو الذين خانوا شعبهم من أبناء البلاد وباعوا أمانيه الوطنية، مقابل اقتسام الجزء التافه من الغنائم ” (  المؤتمر القومي العام للاتحاد الاشتراكي 9 يوليو (١٩٦٠)

4- “الرجعية تتعاون مع الاستعمار وهي تشعر بالخوف من المد الثوري العربي الذي يمثل خطراً متزايداً على مصالحها.. والاستعمار بيشعر أن المد الثوري العربي يمثل خطراً متزايدا على احتكارات البترول والرجعية تشعر أن ما يحمله تيار الاشتراكية، يهدد كيانها ويهدد وجودها .. إذن فإن الرجعية تتحالف مع الاستعمار وهم يبدأون من فكرة جديدة هي  استغلال الدين كسلاح حتى تتحقق أهداف الرجعية والاستعمار والمحافظة على نفوذها والمحافظ على دورها في سلب عمل الشعب العربي .. والاستعمار ليستمر وليضمن المحافظة على الاحتكارات البترولية اللى ياخذ منها مكاسب باهظة .. ويضمن أيضا استعادة نفوذه في البلاد العربية .. وبهذا يمكن التخلص من الحركات التحررية والشعبية في الوطن العربي  ” . ( عيد الوحدة 22 فبراير 1966 ) .

5- “في القرن الماضي الاستعمار البريطاني والعيلة المالكة اتفقوا على استغلال هذا الشعب .. الشركات الاجنبية..المستغلة  أيضا  اتفقت مع العيلة المالكة على استغلال هذا الشعب .. وبهذا كان هناك المجتمع الطبقي الذي يتحكم فيه الإقطاع المتحالف مع رأس المال (  خطاب بدمنهور ١٥ يونيو ١٩٦٦).

دكتاتورية الاقطاع مع الرأسمالية

6- ” إن المجتمع منقسم إلى قسمين، أو منقسم الى طبقتين طبقة الملاك والمستغلين..  وطبقة الاجراء، والملاك المستغلين الذين اقصدهم  هنا ليس كل الملاك، ولكن المالك الذي يستغل ملكيته حتى يحقق أكبر من الإنتاج على حساب الشعب..  وكان فيه طبقة الأجراء اللي هي تمثل العامل وتمثل الفلاح وتمثل الموظف ..  وتمثل كل واحد يأخذ أجر ليعيش، كل واحد يعمل من أجل ان يعيش.. والاقطاع والطبقة الرأسمالية جعلت من الحكم دائماً اداة في يدها لتحقيق أغراضها لحماية مصالحها واستغلال الإجراء ومنعهم من المطالبة بحقوقهم . ( العيد التاسع للثورة ٢٢ / ٧ / ١٩٦١)

7- ” الديموقراطية التي كانت موجودة قبل الثورة لما كانت الرجعية تسيطر على اقتصاد البلاد وثروة البلاد كانت هي صاحبة النفوذ وكانت الرجعية هي صاحبة الامتيازات كانت الديموقراطية مزيفة ، وكانوا بيقولوا ان فيه حرية سياسية أو فيه ديموقراطية سياسية. ولكن الاستغلال والإقطاع ورأس المال المستغل قضى على كلمة الديموقراطية اللي قالوها وعلشان كده إحنا بنقول لا يمكن بأي حال أن يقال أن هناك حرية إلا إذا توافرت الديموقراطية السياسية  والاجتماعية ”  (عيد الوحدة .(٢٢ / ٢ / ١٩٦٤) 

8- “الطبقات اللي تولدنا ووجدناها اللي هي طبقة الإقطاع والرأسمالية المستغلة كانوا يمثلوا طبقة الحكام ..  فيه الطبقة المتوسطة والعمال والفلاحين..  موش دي الثلاث طبقات اللي كنا موجودين فيها … اتولدنا فيها وعشنا فيها .. ولكن البلد بتشتغل لحساب مين؟ لحساب الاقطاع.. لأن النفوذ وصلنا لهذا وصلنا ان السلطة والنفوذ والاسلحة كلها والجيش والبوليس والدولة تيجي في يد الطبقة الغنية .. الطبقة القوية .. الطبقة الإقطاعية وطبقة الرأسمالية المُستغلة .. بل أكثر من هذا – ان الطبقة الاقطاعية والطبقة الرأسمالية هي اللي عملت الدولة وهي اللي عملت الجيش وعملت البوليس وعلشان تحمي مصالحهم وهم يعتبروا أنفسهم أصحاب المصلحة الحقيقية في البلد والباقي لازم يشتغلوا لهم لكي يحققوا المزيد من الأرض والمزيد من المال” . ( المؤتمر الوطني ٢٦ مايو (١٩٦٢).

9- “كانت المصانع القليلة اللي بتتبنى ما بتتبنيش لخدمة الشعب كشعب، ولا لعدد العمال .. لأن الرأسمال كان يهمه ان يحقق الربح الكبير، وتكون العمالة قليلة، واحنا النهار ده بنبص للعمالة وينبص لبناء البلد كبلد، والرأسمالي ماكنش يهمه الإنتاج القومي  .. كل همه هو غناه الفردي ” . ( شبين الكوم 10 مارس 1965 ) 

التحام الثورة الوطنية بالثورة الاجتماعية

10- تحالف الإقطاع  ورأس المال قد سقط .. واسترد الشعب أرضه يزرعها.. يسنده نظام تعاوني .. رأس مال يعطى لهم تسليفات بدون فوائد .. استرد الشعب المصانع من تحالف الإقطاع مع رأس المال .. استرد الشعب أمواله ووجهها للتنمية ” . ( العيد الثاني عشر للثورة 22 يوليو 1964 ) .

11- ” في سنة 1960 أنا كنت أشعر أن إحنا يمكن الدفع الثوري غير قائم .. الثورة بدأت تتعثر .. الرأسمالية المستغلة بدأت تنفذ .. وبدأت تتسلل للصف .. والأمثلة كانت واضحة أمامي .. وكانت باينة .. كان الخطر إيه ؟ أن الرأسمالية والرجعية توشك أن تجند الثورة الوطنية .. أو تلم الثورة الوطنية لحسابها ” ( خطاب في 25 نوفمبر 1961 ” .

محتوى فترة التحول الإشتراكي

12- ” إحنا ما بقيناش دولة اشتراكية .. ولا يمكن أن احنا نقول ان احنا النهاردة دولة اشتراكية .. احنا في مرحلة انتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية .. الاشتراكية مش معناها أبدا إننا نؤمم شوية مصانع  وبس .. لا .. الإشتراكية أن تضم مجتمع الكفاية والعدل .. القيم التي كانت موجودة لازالت موجودة ..لازالت القيم الإقطاعية والرأسمالية موجودة .. ورغم التحويل الإشتراكي .. ورغم العمل الإشتراكي .. مازالت صور الرأسمالية القديمة .. وصاحب العمل القديم موجود .. ماتحركش .. علاقاتنا ما تغيرتش ” . ( مجلس الأمة  12 نوفمبر 1964 ) . 

قيادة الثورة لمن ؟

13-  ” لا طبقية مسيطرة .. لا إقطاع متحكم .. لا رأس مال مستغل ومستبد .. الثورة لقوى الشعب العامل .. والسلطة السياسية لتحالف قوى الشعب العامل .. والدعامة لهذا كله ولحمايته  .. هي بناء القوة الاقتصادية على هذه الأرض العزيزة .. لهذا الشعب الذي يقوم بالدور الطليعي لتطور أمته العربية ” . ( خطاب في 2 فبراير 1967 ) .

14 –  ” نريد  أن نبني مجتمعاً جديداً .. وهذا المجتمع نبني اقتصاداً فيه على أساس العدالة الإجتماعية لأجل الشعب الذي قاسى ديكتاتورية رأس المال .. ومن ديكتاتورية الإقطاع ,, ومن الاستغلال بكل معانيه .. من هو الشعب صاحب المصلحة  الأصلب في الإشتراكية ؟ نجد العمال .. الفلاحين .. بعد ذلك توجد الطبقة المتوسطة .. الرأسمالية الوطنية .. يدخل ضمن الطبقة المتوسطة التجار .. الراجل الذي يعمل في محله هو وأولاده .. يدخل أيضا ضمن هذه الطبقة المهنيون .. الأطباء .. المهندسون .. المحامون .. المحاسبون .. اننا نقول ونوضح أن  هذه الطبقة المتوسطة  مرتبطة مع مصالح الشعب .. ومصالح العمال والفلاحين أكثر مما هي مرتبطة مع مصالح الطبقة الرأسمالية  ( المؤتمر الوطني 2 ديسمبر 1961 ) .

15- ” قوى الشعب العامل التي تحالفت .. العمال .. والفلاحين والجنود .. المثقفين .. والرأسمالية الوطنية ..هي القوى التي قضت على التحكم  الإقطاعي وتحكم رأس المال .. وهي التي قضت أيضا على الإستعمار وعلى الإحتلال الإنجليزي .. وهي التي قدمت أرواحها ” . ( العيد الثالث للسد العالي .. 9 يناير 1963 ) .

مفهوم التناقضات الإجتماعية

16 – ” هناك فرق بين التناقض اللي بيكون بين الأصدقاء والناس الأقربين لبعض .. والتصادم اللي هو بين الأعداء  .. هذا التناقض بنعبر عنه أنه تفاعل .. حيستمر التفاعل .. فالتناقض بين الفلاحين والعمال سيستمر .. والتناقض من جانب بين الفلاحين والعمال والمثقفين سيستمر .. والتناقض مع الرأسمالية الوطنية سيستمر .. لكن كل دول يتصارعوا مع تحالف الإقطاع ورأس المال المستغل ” .

                                                         خاتمة 

من كل ما سبق يتضح لنا كيف تعدى عبد الناصر المفاهيم ” التقليدية ”  العتيقة للماركسية الأرثوذكسية عن الثورة الوطنية الديموقراطية ..

فلقد اتضح تماما لعبد الناصر ( بالتجربة ) أن البورجوازية المصرية عجزت عن أداء الدور التاريخي الذي قامت به في التجربة التاريخية الأوروبية .. وكيف أظهرت خيانتها وارتدادها بعد الانقضاض على التجربة الناصرية وانجازاتها الإجتماعية في السبعينات .. وكيف تحولت لرأسمالية طفيلية مستغلة تمتص خيرات الشعب وتتركه للفقر والجوع .. وكيف صارت الرأسمالية رديفا واحتياطيا للقوى الإستعمارية . 

لقد أدرك عبد الناصر بوضوح خلاق أن مهمة التحديث والتنمية المستقلة يقع على عاتق الفلاحين والعمال والمثقفين الثوريين وبعض الفئات الوطنية من الرأسمالية الوطنية المعادية للاستعمار . 

تلك مهمة القوى الثورية من أجل بناء الاشتراكية – من جديد – وتحقيق سيطرة الشعب العامل على أدوات الإنتاج .

عن admin

شاهد أيضاً

الخداع الاستراتيجى استراتيجية التحرير الطريق من يونيو الى أكتوبر – من خدع من استراتيجيا- بقلم :محمد شوقى السيد

الخداع الاستراتيجىاستراتيجية التحرير الطريق من يونيو الى أكتوبر – من خدع من استراتيجياالجزء الاولعشان نقول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *