
علاء ثابت
دعاء جلال

عبدالناصر وسط جماهير الإسكندرية عام 1954
بمناسبة مرور 70 عاما على انطلاق ثورة 23 يوليو 1952، يأتى ببعض التصرف الشهادة الخاصة التى أوردها الرئيس الأسبق والزعيم الراحل جمال عبد الناصر حول الكواليس الممهدة لقيام الثورة وبداية المسعى المصرى الجاد نحو التحرر من قيود «الاحتلال» و «الفساد». تلك الشهادة التى رواها عبد الناصر، نائب رئيس الجمهورية وقتها، للصحفى ممدوح طه وجاءت فى العدد الصادر يوم 23 يوليو 1953، أى بعد عام على قيام الثورة وبداية تحقيق أهدافها. تلك الشهادة التى روى الصحفى «الأهرامى» كيف واجه صعوبة للحصول عليها بسبب تزاحم جدول أعمال عبد الناصر حد أنه كان يواصل الليل بالنهار فى بعض الأيام.وكيف اضطر إلى أن يلحق بعبد الناصر فى رحلة شديدة القصر، اقتنصها الزعيم الراحل وقتها فى مرسى مطروح بغرض الاستجمام.

جمال عبدالناصر
ولكن الاستجمام لم تكتمل أركانه لعبد الناصر الذى وافق على منح شهادته لممدوح طه، وإن كاشفه بأن الشهادة والقصة لن تكونا كاملتين. فاليوم، كما أكد ناصر وقتها، لم يحن بعد لإتاحة جميع التفاصيل، قائلا: «أرجو أن يأتى اليوم الذى أستطيع أن أروى فيه هذه القصة الكاملة حتى يؤمن كل فرد بنفسه وبأخيه وبوطنه».
- لم تكن الخطة أولا للجمهورية
البداية كانت بإجابة ناصر القاطعة على سؤال طه حول ما إذا كانت الخطة من البداية تستهدف القضاء على الملكية فى مصر؟، فقال: لا. واستطرد يقول: «لقد أثار المحتل شعورنا الكمين فى قلوبنا من بغض وكره، عقب حادث 4 فبراير 1942 ( فى إشارة إلى محاصرة القوات البريطانية مقر قصر عابدين وإجبارها الملك فاروق على تكليف زعيم حزب الوفد، الزعيم مصطفى النحاس بتشكيل الحكومة منفردا عوضا عن خيار الحكومة الائتلافية، مع تهديد الملك بالعزل وحرمان ذريته من اعتلاء عرش مصر) فعاهدنا الله وأنفسنا وكنا قلة من الضباط، على القضاء على المستعمر وأعوانه من الخونة، وتطهير البلاد من الاستعمار فى جميع مظاهره، فقد وجدنا أنه لا يمكن القضاء على الاستعمار إلا بعد القضاء على أعوانه فى الجبهة الداخلية. ورأينا أننا إذا قضينا على الخونة فإن الاستعمار سيترنح ويسقط فى مصر، فاهتممنا بتقوية جبهتنا الداخلية مبتدئين بالجيش.

ويجلس يمين الرئيس الاسبق محمد نجيب فى تجمع للضياط الاحرار
ولقد مرت على حركتنا ثلاث مراحل، الأولى كانت خلال الفترة الواقعة بين سنة 1942 وسنة 1945، وهى فترة صعبة قمنا خلالها بنشر مبادئنا وإشعال الروح الوطنية وتقوية الجيش عن طريق رفع مستوى ضباطه، وكان أول مشكل لذلك هو حادث 4 فبراير 1942 الذى أهدرت فيه كرامة الوطن.
والمرحلة الثانية كانت خلال الفترة الواقعة بين سنة 1945 وشهر مايو 1948، وقد بدأت الحركة تأخذ خلالها شكلا منظما، وأصبحنا مجموعة كبيرة، وكنا مترددين فى أول الأمر فى الخطة التى كنا نسلكها لتحرير الوطن، وهل نبدأ حربنا بالاستعمار أولا أم نبدأها بأعوانه؟.
لكن ترددنا لم يطل إذ رأينا أن الاستعمار لا يستطيع أن يثبت أقدامه إلا باعتماده الكامل على أعوانه من الخونة أو الأشخاص الذين تتفق مصالحهم مع سياسة المستعمر المتغيرة حسب ظروفه وأهوائه فى تقريب الأشخاص أو الأحزاب.
فلقد كان المستعمر يستغل الأوضاع السائدة فى مصر لمصلحته، وكان يستغل تفرق الأحزاب والخلافات التى كانت تقوم بين الملك السابق وبعض هذه الأحزاب، فاستطاع المستعمر أن يقضى بذلك على ثورة سنة 1919، لأننا لم نعن بتقوية جبهتنا الداخلية.
لقد اعترضت طريق المرحلة الثانية عقبات، كان أهمها عدم وجود الثقة بين النفوس، فالفرد لا يثق بنفسه ولا بزميله، وكانت هذه أصعب فترة مرت بنا، لذلك بذلنا جهدنا فى بث الثقة بين الضباط.
وكانت المرحلة الثالثة للحركة، وهى التى بدأت عام 1948 إلى عام 1952 هى المرحلة الفاصلة، وقد بدأت الحركة فيها تتطور وتتخذ شكلا محددا لتحقيق خطتها فى القضاء على أعوان الإنجليز.

مجسم فنى لتصوير وقائع انخراط عبدالناصر ورفاقه فى طباعة منشورات الثورة وصورته في الأهرام عام 1953
- مشكلة فلسطين تثير الضباط الأحرار
وبدأت مشكلة فلسطين فسارع الضباط الأحرار فى التطوع مع البطل أحمد عبد العزيز، وكان أغلب المتطوعين من الضباط الأحرار الذين سارعوا لنجدة إخوانهم العرب. وكان الصاغ كمال الدين حسين من أوائل المتطوعين فى هذه الحرب، فقد ترك أهله وبيته وزوجته التى كانت على وشك الوضع، ترك كل شيء وسافر ليجاهد مع المتطوعين. واشترك الجيش المصرى فى حرب فلسطين، وبدأت الخيانة تظهر كل يوم بوجه جديد، وبدأت رائحة الفساد تزكم الأنوف، وقد ساعد كل هذا فى تقوية حركتنا وبدأت النفوس تتحد بعد أن جمعتها الآلام. وعدنا من فلسطين فى مارس سنة 1949، وبدأنا نجمع صفوفنا بعد أن تفرقت جموعنا، وقتل فى الحرب عدد كبير من الضباط الأحرار.
وتخلف البعض منا فى الطريق، إذ رأى أنه لا أمل لنجاح خطتنا إلا بالاتصال بالملك السابق والاتحاد معه فى حربنا مع المستعمر وأعوانه من الخونة، واتصلوا برجال الملك، فساقتهم شروره ومفاسده وحادت بهم عن خطتهم، لقد كانوا وطنيين، لكن الغواية أضلتهم عن الطريق الصحيح، ورأينا إزاء ذلك أن نحيط أعمالنا بكثير من الحذر».
وهنا سأله المندوب عن حقيقة التحقيق الذى أجراه معه الرئيس السابق إبراهيم عبد الهادى (فى إشارة إلى رئيس وزراء مصر فى الفترة بين عامى 1948 و 1949) فى شهر مايو سنة 1949، فقال: كان هذا أول تحقيق معى وأنا ضابط، ولو أنه لم يكن أول تحقيق معى، فقد أجروا معى عدة تحقيقات من قبل وأنا طالب بالمدرسة الثانوية. حضر إليَّ أحد الضباط فى نحو الساعة الواحدة من بعد ظهر يوم 25 مايو، وأخبرنى بأن رئيس هيئة أركان حرب الجيش يطلبنى لمكتبه، فطلبت من زوجتى أن تبلغ عبد الحكيم عامر بأمر استدعائى إذا لم أعد حتى الساعة الرابعة، فقد أحسست بالخطر.

وكانت التهمة الموجهة إليَّ فى ذلك الوقت هى الاتصال بالشيخ حسن البنا، والعمل فى المنظمات السرية التى كانت تقيمها جماعة الإخوان المسلمين، والتهمة الأخيرة هى تدريب أفراد جماعة الإخوان الذين قاموا بالحوادث التى حدثت فى عهد إبراهيم عبد الهادى.
وأجرى رئيس الوزراء التحقيق بنفسه معى، وقد دام هذا التحقيق سبع ساعات فى حضور الفريق عثمان المهدى رئيس هيئة أركان حرب الجيش، وحضر اللواء أحمد طلعت رئيس البوليس السياسى جانبا منه.
لقد كانت أعصاب الرئيس السابق ابراهيم عبد الهادى ثائرة فى ذلك اليوم، وبعد أسئلة عدة قال لى إن المعتقلين من رجال الإخوان اعترفوا بتدريبك لهم، وكل الذى نريده منك أن ترشدنا إلى الضباط الذين اشتركوا معك فى تدريب أفراد الإخوان المسلمين.. ولقد كنت مالكا لأعصابى فى هذا اليوم، وطلبت منه أن يواجهنى بالمبلغين.
ولقد سألنى فى التحقيق هل عندى أسلحة فى منزلى، فقلت له عندى ذخيرة يهودية من فلسطين تبلغ نحو 200 طلقة مدفع ستين.. وطلب منى الفريق عثمان المهدى أن يتوجه معى لإحضار الذخيرة الموجودة فى منزلى، التى حفظت فى خزينة مدير المكتب القائمقام عبد العزيز فتحى، حتى استولينا يوم 23 يوليو على رئاسة الجيش ووجدها عبد الحكيم عامر فى خزينة مدير مكتب رئيس أركان حرب الجيش».
- أول اجتماع للضباط الأحرار
«انتهى التحقيق فى الساعة الثامنة، وتوجهت إلى منزل عبد الحكيم عامر فوجدته قد اتصل ببعض الضباط الأحرار الموجودين فى القاهرة، وكانوا مجتمعين به فى منزله، وكان هذا هو أول يوم لى فى الإجازة التى أخذتها من عملى فى الإسماعيلية، وكانت شهرًا. وقد بدأنا فى وضع خطتنا فى ذلك اليوم، وفى نهاية الشهر كان شملنا قد اجتمع، ورأينا اننا نحتاج إلى خمس سنوات لتعبئة ضباط الجيش، حتى نستطيع التخلص من النظام كله، أى أننا سنقوم بحركتنا فى عام 1954، وليس فى عام 1952، كما دفعتنا الظروف والحوادث إلى التبكير بتنفيذ الخطة!!.
وتعددت بعد ذلك اجتماعات فى كل مكان وفى منازل متعددة، ونقلنا فى شهر أغسطس إلى القاهرة، وبدأنا منذ شهر سبتمبر سنة 1949 فى التنظيم الجدى والخروج بالحركة إلى نطاق أوسع، فوضعنا العيون فى كل مكان, وكانت هذه العيون تنقل إلينا كل المعلومات التى تصل إلى المسئولين فى ذلك الوقت عن حركة الضباط الأحرار، ورأينا أن ننشر آراءنا ودعوتنا بين صفوف الضباط على نطاق أوسع عن طريق المنشورات السرية».
وعن كيفية حصولهم على آلة طباعة، قال: «لقد جمعنا فيما بيننا ثمن آلة رونيوم لطبع المنشورات، وآلة كاتبة، وقام بعض زملائنا من الضباط بشرائها. وقد وضعنا هذه الآلة فى منزل البكباشى حمدى عبيد، لأنه كان متصفا بالمرح الذى يبعد عنه أى شبهة، وبدأنا نطبع المنشورات فى داره بكوبرى القبة. وكان عبيد وخالد وأنا، كنا نحن الثلاثة نتولى عملية الكتابة والطبع، وقد صدر أول منشور للضباط الأحرار فى شهر نوفمبر سنة 1949، وقد تضمن تحليلا وسردا للحالة ولمأساة حرب فلسطين. ولقد قرر البكباشى حمدى عبيد الانتقال من منزله فى القبة إلى حى يكون غير معروف فيه، فانتقل إلى الجيزة، واستمرت المطبعة فى عملها وفى منزله، حتى بدأت حركة الجيش يوم 23 يوليو. وكان عبد الحكيم عامر وصلاح سالم وكمال الدين حسين وخالد محيى الدين وأنا نقوم بتوزيع المنشورات على صناديق البريد، وعلى فروع التوزيع فى الوحدات والأسلحة المختلفة. كنا نطبع فى المرة الواحدة ألف منشور، وكنا نحصل على حاجتنا من الورق والحبر من الجيش، وكان توزيع المنشورات يتم بعضه بوساطة البريد، والبعض الآخر باليد.. فى نهاية 1949 اجتمعت اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار، وقررت ادخال بعض التنظيمات الجديدة على الحركة.
- اللجنة التأسيسية تدرس الموقف
وحول امتناع حركة «الضباط الأحرار» عن استغلال حوادث الحريق فى يوم 26 يناير، أوضح عبد الناصر: «كان الوضع يستلزم المحافظة على الأمن فى البلاد، وكانت الظروف لا تحتمل حوادث جديدة، ولم نكن قد وضعنا خططنا بعد .. ولقد كنا نزن قوتنا.
وفى أول يوليو سنة 1952 قمت بالإجازة الثانية لى بعد حرب فلسطين، وتوجهت إلى الإسكندرية، وكان الجهاز كله يعمل فى صمت وسكون فى القاهرة، فلقد كان الجميع فى القاهرة ماعدا عبد الحكيم وصلاح اللذين كانا فى فلسطين. وفى يوم 12 يوليو عدت إلى القاهرة بعد أن اطمأننت على قوتنا فى الإسكندرية، وكان عبد الحكيم ينتظرنى ومعه تقرير كامل عن فلسطين، وقال إن صلاح مستعد لتنفيذ أى طلب فى رفح، وجمال سالم مستعد فى العريش.
«واجتمع أعضاء اللجنة التأسيسية الموجودون بالقاهرة لبحث الموقف، وانتهينا إلى أننا نسيطر فعلا على رفح والعريش والقاهرة والإسكندرية، وانتظرنا الحوادث، وفى 15 يوليو بدأت الحوادث والأخبار ترد إلينا بعزل مجلس إدارة نادى ضباط الجيش فى داخل الجيش، ثم الاتجاه بعد ذلك إلى الشعب، وباتجاه الطرف الآخر إلى كبت الشعور القومى للتنكيل به، وكانت هذه هى إشارة الخطر.
فاجتمعنا وقررنا أن نتخذ إجراء مضادا وفى أقرب وقت، فكانت أمامنا خطتان، الخطة الأولى أن يقوم الجهاز الخاص بالعمل باغتيال جميع الخونة المصريين. والخطة الثانية، كانت أن يقوم جميع الضباط الأحرار بالعمل لتغيير النظام بأجمعه. وقررنا يوم 18 يوليو تنفيذ الخطة الأولى، بل لقد وضعت هذه الخطة فعلا وصدرت الأوامر بتنفيذها فى القاهرة والاسكندرية يوم 20 يوليو!!
ولكن اجتمعنا يوم 19 يوليو ووجدنا اننا بذلك قد نقضى على حركة الضباط جميعا، إذ إن النظام سيبقى مهما يُقتَل من أنصاره، وستكون النتيجة حملة من الارهاب فى الجيش وبين أفراد الشعب. ولذلك قررنا إلغاء الخطة الأولى وتنفيذ الخطة الثانية، وكلف عبد الحكيم عامر وكمال حسين وأنا بوضع الخطة التنفيذية.. وفى يوم 23 يوليو، اجتمعت اللجنة التأسيسية فى منزل خالد محيى الدين لأخذ الأوامر النهائية، وتم إصدار الأوامر فى الساعة الخامسة وخرج أفراد اللجنة التأسيسية للتنفيذ.. وكانت الثورة.
مجلة الوعي العربي