أخبار عاجلة
الرئيسية / أخــبار / هندسة الاستباحة: كيف تُحوّل عقيدة “المناطق الآمنة” إسرائيل جاراتها إلى “أشباه دول”؟ – بقلم : خورشيد الحسين

هندسة الاستباحة: كيف تُحوّل عقيدة “المناطق الآمنة” إسرائيل جاراتها إلى “أشباه دول”؟ – بقلم : خورشيد الحسين

عندما تصبح السيادة انتقائية

لم يعد الصراع في المشرق العربي يدور حول ترسيم الحدود فقط، بل حول إعادة تعريف معنى السيادة نفسها. فبينما تقوم الدولة الحديثة على احتكار استخدام القوة داخل حدودها، يجري تكريس نموذج مغاير يمنح إسرائيل حقاً أمنياً يتجاوز حدودها، ويقيد في المقابل حق الدول العربية في ممارسة سيادتها الكاملة داخل أراضيها.

بهذا المعنى، لم تعد “المناطق الآمنة” مجرد تدبير عسكري مؤقت، بل تحولت إلى عقيدة سياسية وأمنية تعيد رسم الجغرافيا وتنتج كيانات تمتلك الاعتراف القانوني بالدولة، لكنها تفتقد أهم مقوماتها: حرية القرار والسيطرة على الأرض.

أولاً: جنوب لبنان… جيشٌ يُطالب بالحسم ويُمنع من الاشتباك

تكشف التجربة اللبنانية مفارقة غير مسبوقة. فمن جهة، يتعرض الجيش اللبناني لضغوط دولية كي يفرض احتكار الدولة للسلاح ويطبق الاتفاقات الأمنية. ومن جهة أخرى، يُطلب منه تجنب أي احتكاك مع القوات الإسرائيلية، بل الانسحاب فور تقدمها، بما يحول دون ممارسة أبسط وظائف الدفاع عن الحدود.

وهكذا تنشأ معادلة شاذة: الدولة مسؤولة عن ضبط الداخل، لكنها ليست صاحبة القرار الكامل في حماية حدودها. ومع مرور الوقت يتحول هذا الاستثناء إلى قاعدة سياسية، فتغدو السيادة ناقصة بحكم الاتفاقات وآليات تنفيذها.

ثانياً: جنوب سوريا… من التوغلات المؤقتة إلى إعادة تشكيل الجغرافيا

في الجنوب السوري لا تقتصر العمليات الإسرائيلية على الغارات الجوية، بل تتخذ طابعاً ميدانياً دائماً: توغلات برية، تجريف للأراضي الزراعية، إقامة سياجات، إنشاء نقاط مراقبة، وحواجز للتفتيش والاعتقال.

ولا تبدو هذه الإجراءات مجرد ردود فعل أمنية، بل خطوات متراكمة تهدف إلى إنتاج شريط جغرافي معزول يخضع عملياً للرقابة الإسرائيلية، مستفيدة من إنهاك الدولة السورية وضعف قدرتها على فرض سلطتها في تلك المناطق.

ثالثاً: من المناطق الآمنة إلى المناطق المستباحة

تكمن المفارقة في أن ما يُسمى “مناطق آمنة” بالنسبة لإسرائيل، يتحول بالنسبة للدول المجاورة إلى مناطق مستباحة، لا تستطيع جيوشها التحرك فيها بحرية، ولا يملك سكانها ضمانات حقيقية لحماية ممتلكاتهم أو أراضيهم.

وبذلك لا تعود الحدود خطاً فاصلاً بين دولتين، بل تصبح مساحة ذات سيادة متفاوتة، تتمتع فيها إسرائيل بحرية المبادرة، بينما تخضع الدولة المقابلة لسلسلة من القيود السياسية والعسكرية.

رابعاً: هندسة أشباه الدول

لا تستهدف هذه السياسة احتلال الأرض بالمعنى التقليدي فقط، وإنما إعادة تشكيل وظيفة الدولة نفسها. فالدولة التي لا تستطيع حماية حدودها، ولا التحكم بمجالها الأمني، ولا منع التوغلات داخل أراضيها، تبقى دولة من حيث الشكل القانوني، لكنها تتحول تدريجياً إلى “شبه دولة” من حيث الوظيفة والسيادة.

وهذه هي أخطر نتائج العقيدة الجديدة؛ إذ يصبح الاعتراف الدولي بالسيادة قائماً نظرياً، بينما يجري تقليصها عملياً على الأرض.

خاتمة

إن ما يجري في جنوب لبنان وجنوب سوريا لا يبدو مجرد أحداث منفصلة، بل يمثل نمطاً واحداً يقوم على إعادة هندسة المجال الأمني في المشرق. فبدلاً من ترسيم حدود واضحة بين الدول، يجري إنتاج مناطق ذات سيادة منقوصة، يكون فيها الحق الأمني الإسرائيلي أوسع من الحق السيادي للدول العربية نفسها.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: أين ستتوقف التوغلات؟ بل: هل يتشكل في المنطقة نموذج جديد للدولة، تُعترف فيه بالسيادة على الورق، بينما تُدار الأرض عملياً وفق اعتبارات أمن إسرائيل؟

تعليق المحرر
أظهرت التحليلات والخرائط الجغرافية الحديثة اتجاه إسرائيل لإعادة رسم حدودها الأمنية وتوسيع مناطقها العازلة في كل من قطاع غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا. لا توجد حالياً أي مناطق آمنة معلنة رسمياً أو دولياً، حيث تصنف الهيئات الاستشارية الدولية، مثل المسافر الذكي لأستراليا، هذه المناطق كمناطق قتال نشطة تحذر من السفر إليها. [1, 2, 3, 4]

غزة:

عن admin

شاهد أيضاً

صندوق الخيانة: نهايات سائبة وطاسة ضايعة ..لا صمت يعلو فوق صمت الخنوع والخذلان العربي !!

د.شكري الهزَّيل سلاح مكدس وطائرات تملأ المطارات والاجواء وجند منشورون على حبل غسيل هالك ومنتشرون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *