أخبار عاجلة
الرئيسية / أخــبار / ما وراء الرماد: هل تخرج الضفة الغربية عن السيطرة؟- بقلم : خورشيد الحسين

ما وراء الرماد: هل تخرج الضفة الغربية عن السيطرة؟- بقلم : خورشيد الحسين

المقدمة: تفكيك السؤال التقليدي

لم يعد السؤال الذي تطرحه صالونات السياسة ومراكز الدراسات حول ما إذا كانت الضفة الغربية “ستشتعل” سؤالاً راهناً، بل غدا سؤالاً متأخراً عن إدراك الميدان. فالواقع يؤكد أن الضفة لا تقف على حافة الانفجار فحسب، بل تعيش تصعيداً بنيوياً تُديره منظومة الاحتلال الصهيوني ضمن مسار منهجي.

إن ما يجري ليس مجرد ردود أفعال أمنية أو جولات احتواء عابرة، بل هو تطبيق العملي لإستراتيجية “حسم الصراع” والضم الفعلي للضفة الغربية. وفي ظل هذا التوجه الإسرائيلي المعلن لتصفية الوجود السياسي الفلسطيني، تدلف المنطقة مرحلة تتآكل فيها أدوات الضبط التاريخية—سواء لدى الاحتلال أو السلطة الفلسطينية—مما يفتح الباب أمام أنماط غير مسبوقة من المواجهة.

أولاً: “هندسة الجغرافيا” كمقدمة لفرض الضم النهائي

لا يمكن قراءة التوسع الاستيطاني بمعزل عن طموح الكيان الصهيوني في فرض السيادة والضم النهائي على الضفة. لقد تجاوز الاستيطان مفهوم “التوسع العمراني” ليغدو أداة جيوسياسية لإعادة تشكيل الجغرافيا؛ حيث يجري ربط المستوطنات بشبكات طرق وبؤر ردمت الفواصل بين المناطق، لتقطيع أوصال أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة.

ويترافق ذلك مع تتفيه عملي للتقسيمات الإدارية التي أرستها اتفاقيات أوسلو (أ، ب، ج)، إذ يُسقط الاحتلال عمداً هذه الحدود عبر الاجتياحات اليومية، وتوظيف الأدوات الإدارية (كإعلان “أراضي الدولة” و”المحميات الطبيعية”) لتسريع عملية المصادرة. إن الكيان لا يكتفي بتجزئة الأرض، بل يسعى إلى مأسسة الضم الواقعي  وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى جيوب معزولة  محاطة بالسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

ثانياً: “التدمير الممنهج” والتهجير القسري الناعم

تتحمل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية المباشرة عن سياسة “التفتيت المنظم” للبنية العمرانية والخدمية، خاصة في مدن ومخيمات شمال الضفة. إن تجريف البنى التحتية وتعطيل شبكات الحياة اليومية ليس مجرد تكتيك أمني، بل هو سلاح إفراغ ديمغرافي يهدف إلى جعل الحياة غير قابلة للاستمرار.

تتكامل سياسات الهدم والتضييق الاقتصادي لتنتج “تهجيراً صامتاً” ومباشراً، يحاول من خلاله الاحتلال دفع السكان نحو الرحيل أو إعادة التموضع. غير أن هذه الإستراتيجية الصهيونية لتفريغ الأرض كثيراً ما تؤدي إلى نتائج عكسية؛ إذ يتحول الاحتقان والضغط إلى محرك صلب للمواجهة، وتتحول سياسة الاقتلاع إلى وقود يُغذّي دوافع المقاومة لدى أجيال جديدة.

قالثا: تفكيك أدوات السيطرة وتفريغ السلطة من مضمونها

إن الأزمة الوجودية التي تواجهها السلطة الفلسطينية هي نتيجة مباشرة للإستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى تقويض أي كيان سياسي فلسطيني جامع. فمن خلال سلب صلاحيات السلطة الميدانية، ومواصلة الاقتحامات في مناطق (أ)، تحرص سلطات الاحتلال على إظهار السلطة ككيان بلا سيادة، مما يجرف مشروعيتها وشعبيتها لدى الشارع.

ويكتمل هذا المسار بـ القرصنة المالية واحتجاز أموال المقاصة، وهو ما يُعد حرباً اقتصادية مُمنهجة لشل المؤسسات الفلسطينية. إن الإصرار الصهيوني على إضعاف السلطة وتجريدها من أدواتها لا يخلق بيئة للسيطرة، بل يدفع باتجاه الفراغ وتحفيز التشكيلات اللامركزية ولجان الحماية المجتمعية التي تتجاوز الأطر الرسمية والتنظيمية التقليدية.

رابعاً: مأزق “القبضة الحديدية” وحدود الردع الصهيوني

تُراهن المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية على كثافة النار والردع المفرط كأداة حاسمة، غير أن هذا الرهان يصطدم بالطبيعة الجغرافية والديمغرافية المعقدة للضفة الغربية. إن التداخل المباشر بين المدن الفلسطينية، والمستوطنات، والمحاور الشريانية التي يمر منها المستوطنون، يجعل السيطرة الأمنية المطلقة أمراً معقداً للغاية.

إن السعي الإسرائيلي للحسم العسكري يفرض على جيش الاحتلال توزيعاً دائماً للقوات واستنزافاً لوجستياً أبدياً. وكما أثبتت المحطات التاريخية، فإن العقيدة الأمنية الصهيونية القائمة على “هندسة الهدوء بالقوة” تفشل دائماً في إلغاء الحقيقة السياسية؛ فالقمع لا يعالج جذور الصراع، بل يؤجل الانفجار ليأتيه بأشكال أكثر شراسة.

خامساً: ملامح الانتفاضة القادمة: اللامركزية في مواجهة مشروع الحسم

أمام إغلاق الأفق السياسي والإصرار الصهيوني على فرض خيار “الاستسلام أو التهجير”، تتشكل ملامح حراك فلسطيني جديد يختلف عن محطات الماضي. يتميز هذا الحراك بـ اللامركزية الشديدة، والاعتماد على مجموعات شبابية وشبكات مجتمعية تتجاوز الهياكل التنظيمية والقيادات التاريخية.

إن خطورة هذا المشهد بالنسبة للاحتلال تكمن في صعوبة التنبؤ به أو اختراقه، حيث تتعدد بؤر الاحتكاك وتتوزع على امتداد جغرافية الضفة، مما يُربك أجهزة الاستخبارات والجيش الإسرائيلي ويجعل أدوات السيطرة التقليدية بلا قيمة فعلية.

سادساً: الكلفة الداخلية على الكيان الصهيوني: أرباك مشروع الضم

إن التمسك الإسرائيلي بمشروع الضم والتوسع يترافق مع فاتورة باهظة يُحاول المستوى السياسي في إسرائيل تجاهلها. فكلما اتسعت رقعة المواجهة، ارتفعت كلفة حماية المستوطنين والطرق الالتفافية، وزاد استنزاف الموارد العسكرية والاقتصادية للكيان على جبهة استنزاف داخلية لا تتوقف.

هذا الواقع يزيد من حدة الأزمة السياسية والاجتماعية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث يتعمق الجدل حول جدوى تحمّل هذه التكاليف الباهظة لحماية مشروع استيطاني فاشستي يضع الكيان بأكمله في حالة خطر وجودي واستنزاف دائم.

سابعاً: البعد الدولي: تعرية الصهيونية وإرباك الحلفاء

يضع هذا المسار المتصاعد المجتمع الدولي وحلفاء الكيان الصهيوني أمام مأزق أخلاقي وسياسي متزايد. فاستمرار السياسات الاستيطانية وشرعنة البؤر العشوائية يعري الادعاءات الإسرائيلية حول “الدفاع عن النفس”، ويكشف أمام العالم ماهية النظام القائم باعتباره نظام فصل عنصري (أبارتهايد) واستعمار استيطاني.

ومع ارتفاع الكلفة الإنسانية وتصاعد وتيرة الانتهاكات، تزداد الضغوط الدبلوماسية والقانونية على الكيان في المحافل الدولية، مما يجعل من الصعب على القوى الدولية الاستمرار في توفير الغطاء السياسي لمشروع الضم دون كلفة إستراتيجية عالية.

الخاتمة: انفجار تراكمي في وجه مشروع الحسم

تؤكد المعطيات أن الضفة الغربية تخوض مرحلة فارقة؛ فالمواجهة الحالية ليست مجرد اضطراب أمني عابر، بل هي تصدٍ متراكم لمشروع صهيوني يستهدف إلغاء الوجود الفلسطيني وحسم قضية الضفة الغربية بالضم والتفريغ.

إن اجتماع التوسع الاستيطاني الشرس، والقرصنة المالية، وتجريف المجال العام، وإغلاق الأفق السياسي، يخلق بيئة تجعل خروج الأوضاع عن السيطرة أمراً حتمياً. إن الانفجار المرتقب ليس حدثاً فجائياً، بل هو النتيجة الطبيعية والمباشرة لإصرار الاحتلال على محو جغرافية وثوابت الشعب الفلسطيني، ليتحول “خروج الضفة عن السيطرة” من مجرد احتمال تحذيري إلى الجدار الصلب الذي ستتصادم معه أوهام الحسم الصهيوني.

_______________________________________________________________________________________

‏أشارك هذه الخارطة المحدثة للاستيطان في الضفة الغربية حتى عام 2026…
‏خارطة لا تحتاج إلى تفسير

‏بعيدًا عن تقسيمات A وB وC، التي لم تعد تعكس الواقع على الأرض، تكشف هذه الخارطة البنية الفعلية للسيطرة:
‏•🔴 34 مستوطنة جديدة: هندسة متعمدة لخلق وقائع غير قابلة للتراجع.
‏•🔵 127 مستوطنة قائمة: العمود الفقري للمشروع، ما يُقدَّم كـ”أمر واقع”
‏•🟣 122 بؤرة استيطانية “غير قانونية”: غير قانونية نظريًا… لكنها عمليًا جزء من منظومة التوسع نفسها.
‏•⚪️ 199 مزرعة استيطانية “غير قانونية”: تبتلع الأرض تدريجيًا تح

ت غطاء الزراعة والرعي.

‏طبعا ما يُسمّى “غير قانوني” داخل المنظومة الإسرائيلية، هو في الواقع أحد أكثر أدواتها فاعلية على الأرض—يُدار، يُحمى، ويتمدد، غالبًا عبر تكتلات مثل ما يُعرف بـ”شبيبة التلال”.

عن admin

شاهد أيضاً

جمال عبد الناصر يكشف المراحل الثلاث لـ «الضباط الأحرار» وقصة منشورها الأول

علاء ثابت دعاء جلال طباعة المقال عبدالناصر وسط جماهير الإسكندرية عام 1954 بمناسبة مرور 70 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *