أخبار عاجلة
الرئيسية / الوحدة العربية / العروبة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً- بقلم د.كمال خلف الطويل

العروبة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً- بقلم د.كمال خلف الطويل

بدءا إن ضبط المصطلح، في عرفي، أمر لازم؛ فتعبير القومية العربية طفح

بحمولة أيديولوجية بدت متزيدة عند من رددها بوعي (البعث)

وملتبسة عند من عنى بها ضرورتها فحسب (عبد الناصر)، وفي الحالتين، ولا سيما في الأولى، تضمخت بطيب رومانسي جاذب.

الأصح، في المقابل، تعبير العروبة؛ فهي باختصار اجتماع أمرين: الهوية والضرورة.

والهوية هنا هي نتاج امتزاج عوامل لغوية وتاريخية وثقافية ودينية في إناء جامع هو الانتماء إلى أمة العرب، أي فعل حضاري وصل الماضي بالحاضر ثم بالمستقبل. أما الضرورة ففعل جيوستراتيجي تمخض عن حاجة موضوعية ماسة إلى كيان كبير وسوق كبيرة.

لكن هل تمكنت العروبة من إلباس عالم العرب لبوسها عبر قرن ما بعد الحرب العالمية الأولى حتى اليوم؟ فهي ليست مكعبة لجهة الضرورة، إذ لا

وجود لكيان كبير ولا سوق كبيرة بعد، وأمثلة الخيبة كثيرة فشل الوحدة المصرية – السورية؛ اتحاد الجمهوريات العربية الاتحاد المغاربي مجلس

التعاون العربي: إجهاض مشاريع الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسورية والجمهورية العربية الإسلامية بين ليبيا وتونس، والوحدة العراقية – السورية والوحدة المصرية – الليبية، والاتحاد السوري – الأردني. أما لجهة الانتماء

فقد لبث معطاه الثقافي، لغةً وفكراً وأدباً وفنوناً، ثاوياً في ثنايا العقل والفؤاد العربيين، على الرغم من غياب مناهج التدريس الموحدة وسبل التقريب اللازمة.

وعلى الرغم من عوائق إثنية تأتت بافتعال، من تيارات انفصالية، أكانت من حركات أمازيغوية أو أفريقوية أو كردستانية. لم لم تتخلق نتاجات مثمرة للتوق القومي الذي طغى في آسيا العربية، ثم تمدد إلى أفريقيا العربية، على مدار سبعة عقود ؟ أثقل الأسباب وزناً كان، وما انفك، حرب الهيمنة الغربية – ومن ضمنها الإسرائيلية – على احتمال الوحدة ولا سيما بين أقطار عربية مركزية، لما لها من قدرة على تقويض الهيمنة.خلفها، وبمسافة تترى عوامل بينية، غير موضوعية، خصت سلطات تلك الأقطار، وتناسبت مفاعيلها طرداً مع تعاظم مصالحها، ومع طول أعمار جغرافيات حكموها.

وقبل الدلف إلى سؤال: هل للعروبة مستقبل ضام؟ يجب في البداية فهم حوليات قرن منصرم. فقد أخرجت آسيا العربية من عباءة الإمبراطورية العثمانية بهزيمتها على يد الاحتلال الأنجلو – فرنسي لمناطقها العربية، والذي أفرز ما دعاه دولاً وهي غير ذات صلة، حقاً وفعلاً، بمفهوم الدولة – الأمة الوستفالي،

بل محض أكياس لمت قرابات رحمية إثنية / عرقية قبلية جهوية)، وروحية طائفية مذهبية)، عاشت أربعة قرون في كنف رابطة إمبراطورية

إسلامية السمت، لكن فضفاضة الرداء، فزاولت حياتها المجتمعية برحابة فسيحة، وفق ناموسها القرابي.

مكثت القرابات على حالها داخل أقفاص أشطار هي أقرب إلى الدوقيات منها إلى نويات دول، فما لبثت أن تشادت داخل الأقفاص، وكل ساع الصدارة قفصه سلطة وثروة. ومع علمنا أن في الشرق العربي دولتين تاريخيتين هما اليمن وعمان، إلا إن الأولى انفرط عقدها – وإن بقيت خريطتها سالمة بعد على الرغم من تاريخيته، فكيف بقطري سورية والعراق وهما اللذان لم يقترب عمراهما الاستقلاليان من قرن أولهما مبتور، بمقص الاستعمار عن امتداده الشامي الطبيعي، وثانيهما قص وتلزق أخذا من “الشام” جزيرتها الشرقية وأخذت منه أنباره الغربي، وانضاف عليه شمالاً امتداد تركي كردي.

أخذنا تشريح أسباب الخطب إلى تبيان فواعل الهيمنة الغربية، والتي ما زالت قابضة على عنق الإقليم العربي التجزئة، درءاً لوحدة هي ترياق الخلاص منها الهيمنة… الثكنة إسرائيل تهديداً وردعاً ووثوباً الدوقيات التي تمرست في الخضوع لصاحب الهيمنة واستمرأه، وإن لم يخل الأمر من قلة حرنت عنه وازورت، فنالت من عقابه ما شاب له الولدان؛ نمط المعاش الريعي: ما أمسى عليه نهج اقتصادات العرب منذ نصف قرن، فأفرز الفساد سبيلاً لتناتش القرابات له.

أكثر ما تجلى فيه فشل الدوقيات القطرية هو إخفاقها في استيلاد ملاط جامع للقرابات التي تكونها، والذي حوّلها إلى دول وستفالية *، فمكثت القرابات على ما فطرت عليه دهوراً في اجتماعها التليد، الأمر الذي ساهم في تمكين رعاة الهيمنة من اللعب على شقوقها وتأليب واحدة على أخرى بحسب ما ارتأوه.

هل دام حال الأشطار وفق هذا الطقس المخصي، منذ استقلالاتها؟ لا، لقد حدث انقطاع مشهود لتلك الصيرورة عبر ثلث من القرن العشرين: ١٩٥٥ – ١٩٩٠، أمسك خلاله التيار العروبي بأعنة المنطقة، باسطاً في أرجائها، قولاً وفعلاً، مشروع إنهاض توحيدي عربي ارتقى بجميع القرابات الأسيرة في أقفاص دوقيات، إلى إيلاء قاسم مشترك أعلى هو الرابطة العروبية الجامعة مكانة عروة وثقى لها.

ومع أن المشروع العروبي طوح به أرضاً بهزيمة ١٩٦٧ الفاجعة على يد الثكنة الإسرائيلية وبتمكين المهيمن الناهب الغربي، إلا إنه سرعان ما وقف وحافظ بصورة عامة، على سماته وشأوه حتى نزل على رأسه معول الحرب مع إيران، ثم ألقاه في اليم غزو الكويت.

فما إن غابت / غيبت رابطة العروبة، مع مطلع التسعينيات، حتى وجدنا قرابات أمة العرب، ناقصة التكوين بغياب دولتها، وقد اتخذت لها متكات فئوية متناكدة بنكوصها إلى ولاءاتها الأدنى. والحال أن فترة ١٩٩٠ – ٢٠١٠ كانت مهاد الانفجارات المجتمعية ذات الطابع الدموي، التي شهدتها، وما فتئت، العشريتين الثانية والثالثة من القرن الحالي.

صحيح أن حرب لبنان الساخنة توقفت في مطلع عشرية العشرين الأخيرة إلا إن طبعتها الباردة ما لبثت سارية. أما حرب العراق الأهلية آذار / مارس (۱۹۹۱)، وحرب الجزائر الأهلية (۱۹۹۲) – (۱۹۹۷)، وحرب جنوب السودان (۱۹۸۳) – ۲۰۰۵)، فشواهد على مستطير ما لحق بين شباط / فبراير ۲۰۱۱ حتى اليوم، في سورية واليمن وليبيا والسودان، والذي رسم بالدم معنى صدام القرابات، ودور الهيمنة فيه.

في ضوء ذلك كله، أهناك مكان بعد العروبة جامعة؟ سؤال التحدي هذا يستحضر رزمة نقاط:

۱ – هناك، وعلى غير ما هي حال سائر الأمم المسلمة، ثنائية وصلت العروبة بالإسلام بمعطياه الحضاري والجيوستراتيجي، في وشيجة غير قابلة لا للكسر ولا الإغفال.

٢ – العروبة انتماء فرض عين بما هي هوية المجتمع والدولة الجامعة ولا يضيرها إن تراتبت تحتها متحدات مجتمعية لجماعات فرعية، غير عربية أو غير مسلمة، بل تراها تثري الهوية بتنوع روافدها. أما الهوية فتعبير عن قسمات كيان ولعمري فليس ذلك بحاجة إلى تبيان.. هي العربية، وما سواها من هويات متحفية أو مستعارة، استحضرها مثلومو الغربنة والتغريب، عدا ذهان مضن اعوج سبيلاً. إن تزاوج الهوية العربية لقطر مع حق المواطنة المتساوية لبنيه هما المدماكان الحافظان لسلامته، فهو يعلم أن منجاته الحقيقية والثابتة هي في سعيه لتحقيق ذلك، وتشييده مع سواه من أقطار بوتقة كيانية أوسع، كفلت سوقاً كبيرة عجت بوسائل الإنتاج الخادمة للاستهلاك الداخلي والتصدير الخارجي، كما لإحلال الواردات، ووفق منظومة تكامل بين مكوناته.

3- العروبة ضرورة بذاتها، فالحاجة إلى لم شمل الأقطار في كيان كبير دستورياً : فدرالياً أو كونفدرالياً أو في الحد الأدنى كومنولث) وفر ويتوفر على سوق كبيرة، هو وحده الذي يؤمن خلاصاً مبرماً من نير الهيمنة ومفاعيلها ورافعة نهوض شامل وآمن. ومع أن وفرة ثروات منطقة الخليج وقت أشطاره من انفجارات مجتمعية، إلا إنه بدوره، في أمس الحاجة إلى فضاء عربي جامع

الدواعي النهضة قبل غيرها.

– وليس عبثاً القول بفشل الدولة القطرية، فهو شاخص لكل ناظر، وما أحوال سورية واليمن وليبيا والسودان، لا بل العراق ولبنان وتونس والكويت

والبحرين، إلا دالة على خطل بنيوي خُلُقي أنه ضيق قراباتها بعضها من بعض، والذي ضاعفت آثاره عدة مرات هجمات المهيمن الغربي الناهب. ولعل نظرة طائر على هذه المسارح أتاحت الخروج بدلالات عملانية ذات صلة: ففي سورية، أدى العامل المذهبي (سُنّي في مقابل علوي)، مرفوداً برديف جهوي (ريف في مقابل مدينة – دمشق وحلب بالذات)، الدور الأكبر في التجييش. ولأن تركيبة النظام الحاكم رست في الذهن الجمعي للأغلبية السنية كأقلوية

العروبة ماضيا وحاضرا ومستقبلا

علوية استحوذت على جل السلطة والثروة، فإن ذلك أفقد النظام صدقية عروبيته وشرعيته لدى هذه الأقلوية. والأمر عينه بالضبط – مع عكس من

الأغلبية – هو ما جرى في العراق، لكن بفارق أن التغيير إلى ما بدا لمصلحة القرابة الأغلبية في سورية احتاج إلى حرب داخلية، مرعية خارجياً، بينما

كانت وسيلة التغيير في العراق احتلالاً أميركياً سافراً. لقد أثبتت الوقائع، في كلتا الحالتين، مأزومية “الكيانين” المزمنة، لا بل حاجتهما إلى إكسير توحيد يصل الخليج العربي بالبحر الأبيض المتوسط، ويرعى توازن القرابات مؤمناً لها رباطاً عاصماً من شقاق الفسيح حيزه واتساع سوقه وتشابك مصالحه.

وليس بوسع قرابة، كبرت أم صغرت أكانت رحمية أم روحية، أن تهيمن على بيت جمعها بغيرها من قرابات ولا أن تستقل لوحدها بحجرة من البيت، متكئة على خارج تأبط شراً بالجميع فدون ذلك خرط القتاد. وفي السياق ذاته، فإن الأردن الذي يبدو على السطح مستقراً، حفل بتدافعات

قرابية متنوعة المرجعيات فإن أخذنا في الحسبان افتقاده مقومات كيان لوجدنا أن مأمن قراباته هو في سوراقيا عربية جامعة والحال نفسها، بل أشد، تنطبق على لبنان الذي ما انفك في احتراب أهلي، متناوب الحرارة، عبر نصف القرن المنصرم حتى اليوم.

وماذا عن السودان واليمن وليبيا ؟ القرابة الأكبر في السودان من دون الجنوب المنفصل)، أي نحو ثلاثة أرباع مواطنيه عربية. وعلى الرغم من ذلك، فإن مكونها الغربي ولدواع طبقية، لا يجد نفسه بين أغلبيتها حول النيل، فضلاً عن أفريقيا التي فيها قرابات الشرق والغرب وأقصى الشمال المسلمة غير العربية. ومع أن “الحل” الفدرالي لم يستطع توفير حزام أمان لقرابات السودان، إلا إن بلداً بحجم شبه قارة، ويقطنه نزر يسير مما لزمه، إنما يكمن مستقبله في اتحاد تنافعي مع مصر، وحتى ليبيا المترامية الأطراف، صاحبة الشاطيء الجنوبي الطويل للبحر الأبيض، والمسكونة بصراع جهوي مزمن تفجر بحدة مع الانفجار المجتمعي بصاعق تفجيره “الربيعي”، بين ثلاث قرابات في الشرق والغرب والجنوب. وخير لليبيا أن تفيء إلى ما لم يكتمل نصاباً بينها وبين مصر والسودان خلال الفترة ١٩٦٩ – ۱۹۷۱ ، ففيه مخرج أمان لهم جميعاً …

أما اليمن، فبعد أن وجد نفسه في توحيد شطريه في سنة ١٩٩٠،عادت قراباته المذهبية والجهوية والقبلية إلى التدافع محفوفة بمحفزات خارجية والأكيد أن استعادة وحدة اليمن استلزمت تكامله مع محيطه الجزيري / الخليجي، لأن في ذلك مصلحة متبادلة وأمناً مستقراً.

خلاصة ذلك هي أن ما من سبيل لإحياء رميم، بل بات مجرد حفظ قطر من التشظي هو الشغل الشاغل اليوم، مع الأخذ في الاعتبار أن الحفظ لا يدوم ولا يستدام إلا باندراجه، مهما يكن رخواً، في كيان أكبر.

ه – أما قول التغريبيين الحداثويين، ما بين ليبراليين ونيوليبراليين، بقداسة الحدود وخلود الكيانات”، فمبتور الصلة بواقع العالم من جهة، وبحاجة العرب الماسة إلى التجميع، من جهة أخرى. ولعل الأوقات الراهنة بما تحفل به منتعددية قطبية – وإن غير متساوية – وانحسار صاخب لكبيرة الأقطاب، وازدياد أهمية الدول الإقليمية الوسيطة، واتساع محفظة الخليج السيادية، ومخاطر / أو فرص انفلاش تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وسمعة إسرائيل الإبادية، وسيولية اصطفافات قوى الإقليم طلباً للسلامة، كلها أمور تنادي بالفم الملآن على شعوب أمة العرب وحكامها ونخبها أن تجمعوا وإلا ذهبت ريحكم، وساد عليكم من نيلكم إلى فراتكم من تلمظت عقوداً لفرصة سانحة ظنتها أزفت.

نأتي الآن إلى الإجابة عن سؤال : أتبنى الدولة على هوية وطنية أم دينية أم ثقافية؟ سواء عني بالدولة قطرية أم قومية، فسيماها هي هويتها العربية ومواطنتها المتساوية، لأنهما معاً وسوياً، لزوم ما يلزم مصحوباً بإدراك أن أقصى المتاح هو حفظ الأولى كي لا تغدو هشاشتها تهشماً، وتوطئة لتراضها مع أخواتها في كيان كبير. ودور الإسلام في الحالتين، هو أنه لأمة العرب، الوعاء المعرفي والحضاري، من جهة، والمرتكز الجيوسياسي، من جهة ثانية. ولا تثريب على قول إن الإسلام هو هوية ثقافية للمسيحي العربي، أياً تكن كنيسته، بمقدار ما هو للمسلم العربي، أياً يكن مذهبه، سواء بسواء ولا يخرج الأمر عن ذاك النطاق إلى مسائل الحكم والحوكمة إلا بدعوى اجتناب محظور يخالف القوانين الوضعية لأحكام شريعة الإسلام، ونقطة.

إن المشروع العروبي، في صلب فحواه، ليس إلا ترياق معضلتين: حفظ القطري من تمزق وتمزيق… وإرساء صرح عربي جامع للقطريات، وصار بدوره، ضمانة بقاء أمته ونمائها. .

مجلة الدراسات الفلسطينية | 146 ربيع 2026

_____________________________________

* دول وستفاليا (أو نظام وستفاليا) هي مفهوم يرمز لنشأة نظام الدولة القومية الحديثة ذات السيادة المطلقة، تأسس بناءً على صلح وستفاليا عام 1648 الذي أنهى حروباً دينية طاحنة في أوروبا (حرب الثلاثين عاماً). يرتكز هذا النظام على مبدأ تساوي الدول في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والحدود الإقليمية الواضحة. 

WikipediaWikipedia

عن admin

شاهد أيضاً

موقف إدارة بايدن من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة: خلفيات الانحياز وحساباته

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات اتخذت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن موقفًا متشددًا من عملية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *