
في هذه الايام حلت الذكرى ال109 لوعد بلفور, حين ارسل وزير الخارجية البريطاني انذاكآرثر بلفور،رسالة إلى اللورد ليونيل روتشيلد، أحد أبرز زعماء الجالية اليهودية في بريطانيا، تعهد فيها باسم حكومته بإقامة “وطن قومي لليهود في فلسطين”، وهي الرسالة التي تجاهلت وجود الشعب الفلسطيني في فلسطين حين كانت هذة الاخيرة عامرة بشعبها الفلسطيني اللذي حَّوله بلفور الى مجرد طائفة من ” الطوائف الغير يهودية” دون الاعتراف به كشعب فلسطيني, وعلية ترتب القول ان وعد بلفور”2.11.1917″ لم يكن امر عابر لا بل اعلانا صريحا ورسميا عن تبني بريطانيا والغرب الامبريالي المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين مما مهد الطريق واولى الخطوات امام شرعنة مشروع صهيوني استيطاني احلالي مازالت فلسطين تعاني من تداعياته حتى يومنا هذا الذي نشهد فيه استمرار الابادة والتهجير في قطاع غزة والضفة الفلسطينية وكامل فلسطين..
د.شكري الهزَّيل
عام 1917 احتلت بريطانيا فلسطين واصدرت مشروع ” اممي امبريالي” يشرعن احتلالها من خلال قرار المجلس الأعلى للحلفاء في مؤتمر سان ريمو منح بريطانيا مايسمى ب صك الانتداب على فلسطين، وقد تضمن نص هذا الصك التزاما واضحا بتنفيذ وعد بلفور ومن ثم أقرت عصبة الأمم صك الانتداب رسميا عام 1922، قبل دخوله حيز التنفيذ في أيلول/ سبتمبر 1923 ومن ثم تطورت الاحداث واصبح واضحا ان الاحتلال البريطاني شكل ويشكل ركنا اساسيا في تمرير المشروع الصهيوني عبر: اولا قمع الاحتجاجات الفلسطينية وخاصة ثورتي البراق 1929 و ثورة عام 1936 التي مهد قمعهما الطريق لنكبة عام 1948, وثانيا تثبيت ودعم الوجود الصهيوني عسكريا وسياسيا في فلسطين عبر تجريد الشعب الفلسطيني من السلاح مقابل تسليح الميليشيات الصهيونية بافضل الاسلحة في ذاك الوقت شمل ايضا وجود سلاح جو صهيوني وطائرات حربية يقودها طيارون صهاينة مدربون خدموا في الجيوش الغربية ابان الحرب العالمية الثانية وقاموا بالمشاركة عام 1948 في ابادة الشعب الفلسطيني وتهجيره قسريا, مما ادى الى تهجير أكثر من 800 ألف فلسطيني قسرا من مدنهم وقراهم، وتدمير أكثر من 500 قرية وبلدة فلسطينية واحتلال عشرات القرى والمدن وتدمير مئات المساجد والاستيلاء على كل ماهو فلسطيني ووصل الامر الى حد نهب البنوك والمكاتب والبيوت الفلسطينية ناهيك عن توطين المهاجرين الصهاينة في بيوت اهالي المدن الفلسطينية المهجرة مثل عكا وحيفا ويافا وصفد والرملة واللد وبئر السبع وقائمة طويلة من الاستيلاء على ممتلكات الشعب الفلسطيني الذي حوله الاحتلال البريطاني الصهيوني الى شعب من اللاجئين في الشتات والداخل, و لم تتوقف تداعيات وعد بلفور واحتلال فلسطين عند حدود احداث عام 1948 لابل امتدت الى عام 1967 ومرورا باحداث كبرى استهدفت الوجود الفلسطيني وطنا ومهجرا وصولا الى واقع الابادة والتهجير والدمار والتطهير العرقي الجاري والمتواصل حتى يومنا هذا واخر فصوله الراهنة هو الابادة في غزة والضفة وتدمير قرى كاملة في فلسطين الداخل وخاصة في منطقة النقب في الجنوب الفلسطيني!!
عام 1948 تبقى في فلسطين الداخل بعد موجات الابادة والتهجير ما يقارب ال 120 الى 150 الف فلسطيني ” من اصل1500000 فلسطيني كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية”, توزع هؤلاء “الباقون” جغرافيا وديموغرافيا على مناطق الجليل والمثلث والساحل والنقب وقد فُرض على هذة المناطق الحكم العسكري الاسرائيلي حتى عام 1967 , وقد تم منح هؤلاء شبه الهوية الاسرائيلية ومنحوا لاحقا حق التصويت والانتخاب والترشيح للكنيست الاسرائيلي بهدف زركشة ” ديموقراطية اسرائيل” نحو الخارج فقط فيما الو اقع ان فلسطينيي الداخل تعرضوا وما زالوا يتعرضون الى اعلى درجات الظلم والاضطهاد وسلب الحقوق ومصادرة اراضيهم واملاكهم والتضييق على مناطق سكناهم عبر اطواق ” طوق” انشاء المستوطنات الصهيونية حول وداخل مناطق التواجد الفلسطيني وقد ارتبط مصير فلسطينيي الداخل دوما بمشاريع التهويد ” التهويد..تهويد المناطق العربية الفلسطينية” .. مشروع تهويد الجليل والنقب واللذي ارتبط بهبة يوم الارض 30.3.1976 ردا على مشاريع التهويد ومصادرة الارض ومن ثم مشروع تهويد مناطق المثلث والساحل والنقب الذي يتعرض سكانه البدو الفلسطينيون الى التوطين القسري ولهدم قراهم وحصار وجودهم الجغرافي والديموغرافي عبر مشاريع استيطان صهيونية لا تعد ولا تحصى وكلها وجلها لها عنوان واحد وهو محاصرة الفلسطينيون على اصغر رقعة جغرافية ممكنة ومنح المستوطنين والمستوطنات فرصة الاستيلاء والسيطرة على اكبر مساحة جغرافية ممكنة..
*فقط للتذكير: في النقب عشرات القرى البدوية الغير معترف بها من قبل دولة الاحتلال وتقوم هذة الاخيرة بحرمان سكان هذة القرى من ابسط الحقوق الانسانية
ناهيك عن هدم بيوتهم وحرث زرعهم ,وعلى بعد مئات الامتار من هذة القرى القائمة منذ عشرات السنين تجد مستوطنات يهودية فردية تم زرعها هناك وتزويدها بالماء والكهرباء بهدف الاستيلاء على اراضي فلسطينية شاسعه ومحاصرة القرى جغرافيا وديموغرافيا الى حد ان احد المستوطنين قام بالتسييج على مقبرة اسلامية قديمة في النقب ومنع الناس من زيارة قبور اهلهم وذويهم ودفن موتاهم في هذة المقبرة..غيض من فيض ولا ننسى تدمير مئات المقابر و المساجد بعد النكبة وتحويل بعضها الى خمارات وزرائب للبهائم…!!
من الصعب سرد تاريخ فلسطينيي الداخل في مقالة واحدة لكننا نؤكد على ان دولة الاستيطان الاسرائيلي منحت هؤلاء الفلسطينيون شكليا حق الانتخاب والترشيح مقابل سلبهم من كامل حقوقهم داخل دولة يهودية عنصرية وفاشية وتزداد فاشيتها شراسة عبر الدعم الامريكي والغربي الذي وصل الى حد شرعنة ابادة قطاع غزة والضفة في فصل متواصل من فصول فرض تقسيم فلسطين قسرا عام 1947 والنكبة الفلسطينية عام 1948 وحتى يومنا هذا..
نشير هنا الى ان علاقة مؤسسات الدولة اليهودية العنصرية بفلسطينيي الداخل, ترتبط بعدم الاعتراف بهويتهم الفلسطينية وتسميتهم ب الاقليات”ميعوطيم” من جهة والسيطرة على جميع مجالات حياتهم من جهة ثانية وبالتالي عندما نتحدث عن السيطرة فنحن نتحدث عن السيطرة الجغرافية والديموغرافية عبر الاستيلاء على الارض وتقويض الوجود الديموغرافي الفلسطيني عبر زرع المستوطنين والمستوطنات اليهودية في وحَّول حيز مناطق عيش العرب ومن ثم السيطرة الاقتصادية وتحويل مناطق سكن العرب الى مجرد ايادي عامله تعمل في المناطق والمدن اليهودية ومن ثم السيطرة الامنية والشرطية والعسكرية والقمع المباشر لفلسطينيي الداخل الى درجة تشجيع وجود الجريمة والجرائم” فرق تسد” في مناطق تواجد العرب وعن السيطرة السياسية والحضارية والتربوية على الوعي والسردية نجد الجواب في مناهج التعليم ” الاسرائيلية” المخصصة لطلاب المدارس العربية في الداخل وهدفها واضح وهو الاسرلة والتغريب وغسل ادمغة الطلاب وتشوية مبرمج لكل مايشير للهوية الفلسطينية العربية..
حتى لا نطيل عليكم يبلغ عدد فلسطينيي الداخل اليوم حوالي المليوني نسمة وهم يشكلون نحو نسبة 21 % من تركيبة السكان داخل الخط الاخضر “اسرائيل” ويحق لهم شكليا الانتخاب والاقتراع ضمن ديموقراطية دولة يهودية عنصرية تسعى الى تحجيم وجودهم وسلب حقوقهم وجعلهم مجرد زركشة” زركشة ديموقراطية موجهة للخارج” موجودة على الهامش داخل الكنيست الاسرائيلي وممنوع منعا باتا التعامل او التحالف معها في تشكيل اي حكومة صهيونية, وللتذكير لا يوجد داخل الكنيست الاسرائيلي معارضة “برنامج سياسي وقناعات ايديولوجية” وماهو موجود احزاب صهيونية هدفها بلوغ السلطة مع الحفاظ على انكار ال وجود الفلسطيني والاتفاق الكامل على قمع الشعب الفلسطيني ودعم حرب الابادة على غزة ولهذا نشاهد ان المزاودة بين الحكومة والمعارضة ترتكز على من يكره العرب والفلسطينيون اكثر ليصبح جدير بالحكم.. حتى هذا المغربي ” القرد” كما اطلق عليه هم انفسهم واضح انه غَّير واستبدل اسمه الى ” ايزنكووت” حتى يصبح مقبولا عند اليهود الاشكناز عبر تغيير اسمه” المغربي العربي” وعبر ابداءه الكراهية المفرطة للعرب والفلسطينيون ومن بينهم مجموعة ال19 التي بلغت مرتبة عضوية الكنيست..لا فرق بين قطيش وقَّطاش فالاول مجرم حرب مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية والثاني مجرم حرب يفتخر بقتله اكبر عدد من الفلسطينيين والعرب.. في دولة قطيش وقطاش هنالك معادلة تُعتمد منذ زمن بعيد وهي : كلما قتلت اكثر فلسطينيون وعرب, زادت حظوظك لتصبح رئيس وزراء وهكذا كان وما زال الامر ساريا الى حد اعتبار : ان العربي الجيد هو العربي الميت..بن قَّفره فقط فضح حقيقتهم وهم جميعا لا يختلفون عنه ولا معه..!!
قامت الاحزاب الصهيونية “الحاكمة والمعارضة” بشيطنة عرب الكنيست واقصاءهم من امكانية التحالف ” الحكومي” رغم انهم ممتثلون لقوانين الكنيست وقوانين دولة” اليهود” لابل انهم يغطون على فاشية النظام الحاكم في اسرائيل المرتكب ابشع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني في كامل فلسطين ناهيك عن ان البرلمان ” الاسرائيلي” المشَّرع الاول لكل اشكال الابادة والتهجير منذ النكبة وحتى غزة 2023..2026… وهذا لن يتغيَّر بتشكيل حكومة صهيونية جديدة… كلهم وجوه واحدة لعملة واحدة تكره الشعب الفلسطيني وتسعى الى ابادته وتهجيرة بهدف تشكيل ” اسرائيل الكبرى” نقيه يهودية” بدون الشعب الفلسطيني؟؟
ماهو حاصل هو حالة استثنائية مركبة تتجلى في ان مجموعةال 19 عضو كنيست عربي يؤيدون اسقاط حكومة صهيونية واستبدالها بحكومة صهيونية اخرى ترفض الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وتؤيد استمرار حرب الابادة على غزة لابل ترفض الاشارة الى مجموعة ال 19 واعتبار انهم ” اسرائيليون” من اصول فلسطينية والمطلوب منهم ان يتحولوا من هوية ” العربي الاسرائيلي” الى “العربي الصهيوني” المنسجم مع تطلعات ومخططات الحكومات اليهودية الصهيونية بما فيها استمرار الحرب على غزة و فرض الخدمة العسكرية على فلسطينيي الداخل؟..معقول؟..نعم هذا هو الاساس وهذا ما يلمح له احد افراد مجموعة ال19 مندوب الحركة الاسلامية الجنوبية المدعو منصور عباس فهو يتلاعب بمصطلحات ” الخدمة العسكرية” والخدمة الوطنية المدنية و يسعى الى تسويق الامر مقابل تقديم خدمات لجماعة ” الحركة الاسلامية الجنوبية” في الداخل الفلسطيني فيما اعضاء اخرون في المجموعة يريدون تقديم دعم لتشكيلة الحكومة الصهيونية البديلة مقابل لاشئ على حد قولهم !!.. لا شئ غير صحيح؟ البديل يؤيد استمرار حرب الابادة على غزة والضفة ودعم الاستيطان الصهيوني وتهويد القدس ولا يريد الاعتراف حتى ب “سلطة اوسلو” التي تخدم في الاساس والاصل مشروع الاحتلال الصهيوني؟
منطق المنطق يتحدث عن ان فلسطينيي الداخل جزء اصيل لا يتجزأ من كامل الشعب الفلسطيني ومجموعة ال 19 يمثلون عرب اسرائيل وهؤلاء لايمكنهم الاندماج في البرلمان والحكومات الصهيونية الا في حالة واحدة وهي ان يصبحوا عرب الصهيونية بدلا من عرب اسرائيل وان يعترفوا بدولة ” اليهود” نقية دون وجود عرب فلسطينيون على اي شبر من فلسطين؟ والسؤال المطروح : هل تحولت الحالة من حالة الشيطنة الى الترويض؟ وهل ستتم صناعة العربي الصهيوني بديلا للعربي الاسرائيلي؟؟.. اعتقد .. نعم.. وقد حدث هذا منذ عقود ,منذ ان انضم الفلسطينيون بقيادة الحزب الشيوعي الاسرائيلي الى عضوية برلمان صهيوني يعتمد الايديولوجية الصهيونية كمرجعية.. اجينا تكحلها عَّورنا عينها..!
فكر بالمنطق واترك العواطف والخطابات والشعارات وابقى معنا.. نعم انهم صهاينة وليست عرب وهم يقسمون قسم الولاء لدولة اسرائيل عند دخولهم ل عضوية الكنيست وهم يلقبون ذاتهم بلقب ” النائب” اخفاءا لحقيقة انهم اعضاء كنيست شرعَّن كل اشكال القتل والابادة بحق الشعب الفلسطيني..*نفهم جيدا مرحلة الهوان والضعف العربي الفلسطيني وهذا الخنوع والقبول باستمرار الابادة في غزة والضفة وفلسطين لكن ما لا يجب ان ينطلي علينا هو ان مجموعة ال 19 ليست فلسطينيون وهم انفسهم من تخلوا عن هويتهم الفلسطينية والامر حقيقة وحقا ليس مهم ان كانوا عرب اسرائيل او عرب الصهيونية…هم مجموعة تمثل بالمحصلة ” توليفة” تبرير وتمرير لها جمهورها وهو الجمهور” العربي” نفسة الذي يقف في طابور معبر طابا المصري السياحي اثناء حرب الابادة في وعلى غزة وكأن هذة ليست منهم!.. يذهبون الى السياحة والرحلات والمرح والطرب كعرب اسرائيليون الى شرم الشيخ فيما الابادة حاصلة في غزة وللتذكير اكثرية اللاجئين في قطاع غزة هم من ابناء مناطق ال48.. ولا حبة تضامن ولا حبة اخلاق؟؟.سامحونا : اسموهم ما تشاءوون في اعلامكم العربي لكن لا تسمونهم ” فلسطينيون”… مجموعة ال19 : من الشيطنة الى الترويض..ومن العربي الاسرائيلي الى العربي الصهيوني!!…. لا فرق في المعنى والفحوى والبديل هو شئ اخر تماما وهو: ضبط وتنظيم صفوف الشعب الفلسطيني وتعبئة الشعوب العربية لوقف المجازر والابادة بحق الشعب الفلسطيني في ظل حكم حكومات صهيونية تعاقبت على لعق الدم الفلسطيني.. للقصة بقية.. تحياتي لكم وطنا ومهجرا على قاعدة ان هوية الشعب الفلسطيني الواحد لا تتجزأ..طال الزمن ام قصر!!
**كاتب فلسطيني مهتم بشؤون فلسطيني الداخل والفلسطينيون بشكل عام.. وطنا ومهجرا
مجلة الوعي العربي