6 أبريل 2026 الساعة 11:32 صباحًا
![رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) في واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية في 6 مارس 2018 [شيب سوموديفيلا/غيتي إيميجز]](https://i0.wp.com/www.middleeastmonitor.com/wp-content/uploads/2019/03/Israeli-Prime-Minister-Benjamin-Netanyahu-GettyImages-928042942.jpg?fit=920%2C613&ssl=1)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) في واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية في 6 مارس 2018 [شيب سوموديفيلا/غيتي إيميجز]
- بقلم جاسم العزاوي
هناك لحظة في الحياة الأخلاقية للأمم لا تعود فيها الأكاذيب التي دعمتها قادرة على الصمود. وإسرائيل تعيش هذه اللحظة. لم تكن الصور التي خرجت من غزة دليلاً على وحشية الحرب، بل كانت تشريحاً لأسطورة إسرائيل التي بُنيت بعناية فائقة، باعتبارها ملاذاً للمضطهدين، وديمقراطية في الصحراء، ومنارة أخلاقية في بحر من الهمجية. تلك الأسطورة، التي رُوّج لها بعناية فائقة، ودُوفع عنها بشراسة، احترقت الآن حيةً في الركام نفسه الذي خلّفته.
حذر الصحفي والكاتب كريس هيدجز، أحد الأصوات القليلة في الإعلام الأمريكي التي تجرأت على الكلام بوضوح بينما كان الآخرون يرتعدون خوفًا، قبل سنوات من أننا “منحنا إسرائيل ضوءًا أخضر للتطهير العرقي والاحتلال والقمع”. لم يُصغِ العالم، إذ غرق صوته في سيل اتهامات معاداة السامية، تلك الأداة الفظة التي لم تُستخدم لحماية الشعب اليهودي بل لإسكات الحقائق المُرّة. ولجيل كامل، نجحت هذه التهمة. فقد جمّدت الألسنة، وأنهت مسيرات مهنية، وأغلقت باب النقاش. أما اليوم، فقد سقطت كطلقة فارغة على أرضية حجرية. لقد رأى العالم ما يكفي.
“غزة ليست مجرد مكان. إنها حكم”، جدعون ليفي، هآرتس.
كتب جدعون ليفي من داخل إسرائيل بشجاعة رجلٍ رفض كل صمتٍ مريح، موثقاً لعقودٍ ما رفضت بلاده رؤيته. وكتب أن إسرائيل “ضلت طريقها” وأن “الاحتلال ليس مجرد قضية سياسية، بل كارثة أخلاقية”.
الآن باتت الكارثة واضحة للعيان. لم يعد هناك مجال للتستر أو التظاهر. طرف طفل بين الأنقاض. مستشفى تحول إلى مقبرة. عائلة أُبيدت بضربة واحدة. العالم يشاهد ويتذكر. لا يمكن للعلاقات العامة البارعة أن تُصلح هذه الصورة المحطمة.
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزير الدفاع السابق غالانت لارتكابهما جرائم ضد الإنسانية. كما أُدرج الجيش الإسرائيلي على قائمة الأمم المتحدة للعار. هذه ليست من اختراع دعاة الدعاية، بل هي أحكام مؤسسات غربية. لم يعد السؤال يخص إسرائيل وحدها، بل يخص القوى الغربية التي وفرت القنابل والغطاء الدبلوماسي وحق النقض الشكلي. لقد جعل الغرب نفسه شريكًا في الجريمة، وعليه الآن أن يتحمل عواقب ما مكّنه. في كتابه “أجور التمرد”، يكتب كريس هيدجز: “السؤال ليس ما إذا كانت إسرائيل ستنجو من هذه الحرب، بل السؤال هو ما إذا كانت روحها – إن كان لها روح متبقية – قادرة على البقاء”.
لقد شاهد جيل الشباب في أوروبا وأمريكا الشمالية كل هذا عبر هواتفهم، مباشرةً، وبأعينهم. لم يعيشوا المحرقة. لا يشعرون بأي ذنب موروث – ولهم كل الحق في ذلك. إن الشعور بالذنب المتوارث، الذي يُستخدم كسلاح لشلّ الحركة السياسية، ليس ذاكرة؛ بل هو تلاعب.
عندما حذّرت الفيلسوفة اليهودية حنة أرندت من أن “ابتذال الشر” لا يكمن في الوحوش، بل في الموظفين الذين ينفذون الأوامر ويتجاهلونها، لم تكن لتتخيل أن كلماتها ستنطبق يوماً ما على الدولة التي نشأت في ظل ذلك الشر. لكن التاريخ لا يرحم في مفارقاته.
اقرأ: الكنيست الإسرائيلي يقر قانوناً يقضي بعقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين
خرج الملايين في مسيرات. لندن، باريس، نيويورك، برلين، جاكرتا، جوهانسبرغ. هذه الأرقام ليست مجرد حالة عابرة، بل هي حكم قاطع. لم يعد التعاطف مع فلسطين موقفًا هامشيًا يُهمس به في أوساط المجتمع الراقي، بل أصبح الموقف الأخلاقي السائد لجيل جديد يرفض أن يرث صمت آبائه .
قال مارتن لوثر كينغ جونيور: “إن مسار الكون الأخلاقي طويل، لكنه ينحني نحو العدالة”. وهو ينحني الآن – بشكل مؤلم، ولا رجعة فيه – باتجاه غزة.
ما دُمِّر في هذه الأشهر ليس مجرد بنية تحتية، بل هو آخر ما تبقى من أسطورة مختلقة. لقد انهارت الرواية التي روجت لها إسرائيل عن نفسها تحت وطأة تناقضاتها. باتت قبضة الصهيونية الخانقة على القوى والشعوب الغربية تحتضر. بات الخوف من وصم المرء بمعاداة السامية مثار سخرية واستهزاء. إسرائيل اليوم هي أكثر الدول المكروهة على وجه الأرض، دولة منبوذة، معزولة ومحتقرة باعتبارها دولة ارتكبت إبادة جماعية. وقد حققت محرقة غزة كل ذلك.
حتى الحصون المنيعة تتهاوى. الكونغرس الأمريكي – ذلك الحصن الراسخ للدعم المطلق لإسرائيل، حيث كان نفوذ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) يجعل المعارضة هرطقة تنهي المسيرة السياسية – لم يعد منيعًا. لقد اخترق الطوفان أسواره. لم يبقَ ملاذ آمن.
إن الدولة التي ترتكب ما صنّفته محكمة العدل الدولية رسميًا على أنه إبادة جماعية محتملة، تفقد أي حق في إرث أخلاقي. التناقض فاحش، محفور الآن في أذهان العالم، مشهدًا تلو الآخر، طفلًا تلو الآخر، ركامًا تلو الآخر. لا يمكن لأي مكتب إعلامي أن يتجاهله، ولا يمكن لأي دبلوماسي، مهما بلغت براعته، أن يبرره بخطاب مُنمّق في الأمم المتحدة. الجرح أعمق من أن يُخاط. لقد فعلت الصهيونية ما لم يفعله أي عدو – لقد التهمت أسطورتها بنفسها، في نارها، بأيديها. والتاريخ، ذلك المحاسب الصبور الذي لا يرحم، قد فتح أخيرًا سجلاته.
مجلة الوعي العربي