أخبار عاجلة
الرئيسية / أخــبار / ثورة يوليو والصراع الطبقى – بقلم : د. حازم الرفاعى

ثورة يوليو والصراع الطبقى – بقلم : د. حازم الرفاعى

السبت 24 من ذي الحجة 1443 هــ 23 يوليو 2022 السنة 146 العدد 49537

قد يعد تعبير «الصراع الطبقي» تعبيرا خارجا على النص فى عالم اليوم، رغم أن تجاهل هذا المنظور مستحيل أمام ما واجه مصر منذ ١٤ و١٥ مايو ١٩٧١ وما سيواجه العالم من أزمات اقتصادية خطيرة، مع انهيار مفاهيم وسياسات النيوليبرالية الاقتصادية وأكاذيب الرأسمالية الشعبية التى استردتها مارجريت تاتشر ورونالد ريجان من قبور الأفكار فانتشرت حول العالم يتبناها سارقو الأموال ومتسولو الثروات.

يظل الصراع الطبقى كمنهج للتحليل أصدق المناظير لتفسير ما يدور واستيعاب أرقام المال ودوافع الحروب. فالتحليل الطبقى للواقع يعنى استيعاب أن أرقام المال وما يصاحبها من عمولات هى فى حقيقتها ناتج حقيقى لنظام سيطرة رأس المال على الحكم، وليست مجرد فساد أخلاقي. فالتجارة فى أراضى المنتجعات والآثار وعمولات لوحات السيارات ومشاريع المعامل الطبية يتم لمصلحة أفراد وسياسات، وهى فى حقيقتها (سياسات ذات بعد طبقى منحاز) وليست قدراً. فهى ممنهجة لمصلحة أفراد على حساب أفراد هم فى مجموعهم يشكلون طبقة تسود فتحدد السياسات وتخلق قناعات الناس الفكرية والدينية، فتحدد النبل والشرف بمقاييس المال والثراء وحسابات البنوك (فالفلوس ليس لها رائحة) كما يقولون. وهى ايضا تطلق رجال الدين يبثون الخزعبلات والتعصب حول العالم. طبقات تزيف التاريخ وتكتبه على هواها بسرديات تتلاءم مع مصالحها.

كان تضافر الصراع الطبقى والكفاح ضد الاستعمار هو السبب الحقيقى لثورة يوليو. وكانت انحيازات الثورة الطبقية للعمال والفلاحين والنساء هى سبب الشعبية الكاسحة والخالدة لقائدها فى مصر. تواكب هذا مع نهضة واسعة فى كل المجالات؛ من اتساع التعليم وتغيير شكل الريف، فصارت قيادات البلاد كلها من نتاج هذا الحراك الاجتماعى غير المسبوق فى تاريخ مصر.

كان تضافر الصراع الطبقى والوطنى سابقا لثورة يوليو فلقد كان ذلك الصراع هو ما جعل محمد بك خطاب عضو مجلس الشيوخ يتقدم بمشروع قانون لتحديد الملكية الزراعية فى الأربعينيات. ولقد كان ذلك التضافر ذاته ما جعل شهدى عطية وجريدته الجماهير مبشراً بالاشتراكية, فتوضع الأغلال فى قدميه فى قفص الاتهام هاتفا باسم مصر وشعبها فى موقف خالد ألهم جيلا بأكمله، فيحكم عليه بـ ٧ سنوات أشغالا شاقة عام ١٩٤8 فى ظل الملك والاستعمار. ولقد كان برنامج الضباط الأحرار هو نتاج عمل هؤلاء المصريين الثوار الذين سبقوا جمال عبد الناصر بكتاباتهم كأهدافنا الوطنية والسعى لإنشاء أول اتحاد للعمال فى مصر. ولإشعالهم جذوة الكفاح المسلح فى قناة السويس ضد الاستعمار فعرفوا عبد الناصر وتعرف عليهم قبل يوليو. وكان هذا الصراع الطبقى ذاته والتجذر فيه هوعملاق قواه كل ثائر حول العالم فهو ما جعل ماو تسى تونج بطلا وما جعل كاسترو ونكروما ولومومبا أبطالاً ثواراً فى بلادهم رغم واقع معقد.

حقائق مصر وشعبها اليوم تختلف أشد الاختلاف عما كانت عليه أحوال الحياة فى مصر ليلة الثالث والعشرين من يوليو. فحقيقة الأحوال المصرية قبل عام ١٩٥٢ تطل واضحة من الصحف البريطانية ونظيراتها حول العالم؛ فصورة (الباشا) المصرى الجشع كانت مسار تهكم من رسامى الكاريكاتير الأوروبيين يظهرون التناقض كبيرا بينه وبين صور الفلاح المصرى الهزيل المعدم الحافى.

فى عالم اليوم يتم تزييف التاريخ وخلط الحقائق عن عمد. فالخديو إسماعيل – وهو ذاته فخر أسرة محمد على – تم عزله عن عرشِه وهو يمتلك ما يتجاوز الـ ٨٠٠ ألف فدانٍ من أخصب الأراضى الزراعية المصرية، طبقا لكتاب (السخرة فى حفر قناة السويس) للدكتور عبد العزيز الشناوى. فترى ماذا بقى للمصريين بعد امتلاك الحاشية من الأرناءوط والأتراك وغيرهما لمئات الآلاف من الأفدنة؟ كان المرابون الأجانب والسماسرة اليونانيون والطليان يصولون ويجولون فى البلاد يطاردون مديونيات الفلاحين يرهنون أراضيهم محدودة الزمام لتمويل حياتهم ومحاصيلهم فى عموم مصر وقراها البعيدة لمصلحة ملاك خواجات تجار يقطنون وسط القاهرة والإسكندرية ولا يتحدثون العربية ولا تطأ أقدامهم الريف المصرى.

هكذا كانت مصر، ولكن المصريين وطلائعهم قاوموا بكل الطرق للحصول على الحقوق والمساواة. فلقد امتزج الصراع من أجل الاستقلال بمأساة اجتماعية وطنية فى الريف المصرى وعلى أطراف المدن. فلقد كانت مصر مجتمعا طبقيا بامتياز، ولم تكن فى ذلك وحدها، فلقد كان العالم كله مثلها.

فلنبحث عن الصراع الطبقى اليوم، ولندرس تشابك مصالح الأسر والأفراد فى صفحات الوفيات فى عالمنا الحالى، وفيما يتسرب من المصارف والبنوك البعيدة فى أوروبا وغيرها عن حسابات بعشرات الملايين من الدولارات فى جيب أبناء وبنات فلان القُصَّر. فلنبحث عنه فى مدارس الفقراء.

فلنبحث عن الصراع الطبقى فى واقعنا اليوم وفيما حدث فى 14 و15 مايو وتصفية ثورة يوليو واختيار طريق آخر جديد لمصر فلقد انتصرت طبقة جديدة على ثورة يوليو بتحالفها مع الإسلام السياسى فى مصر فما تحيا فيه مصر من سلفية وما يمر به العالم من ارتداد لقيم القرون الوسطى ليس مصادفة, فلقد كان نتاج صراع طبقى عالمى كانت مصر أحد أطرافه.

ستبقى ثورة يوليو ورقة عباد الشمس فى كفاح المصريين الخالد ضد الاستغلال والاستعمار وتجار الدين والحريات. فرياح التغيير تهب على العالم، وقوانين المجتمع كقوانين الطبيعة لا يمكن تجاهلها.

عن admin

شاهد أيضاً

المئات يحتفلون بذكرى ثورة يوليو ال 74 فى ضريح عبدالناصر – صور و فيديو

المهندس عبدالحكيم عبدالناصر يتوسط محبى الزعيم الراحل أكد عبدالحكيم عبدالناصر، نجل الزعيم الراحل جمال عبد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *