أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / قصة الخلافات بين خروشوف وعبد الناصر

قصة الخلافات بين خروشوف وعبد الناصر

 
 
28 يوليو 2014
موسكو ـ د. سامى عمارة
 
-١ نصوص الرسائل السرية المتبادلة بين الزعيمين
 
 

الوثائق كما الأرقام لا تكذب. وشهود العيان ومهما بلغت ذاكرتهم من حدة لا يمكن ان يكونوا وحدهم المرجع الرئيسى لرصد وقائع التاريخ وتعرجاته. ولذا ومن هذا المنظور تحديدا، نعود الى استكمال ما سبق وسجلناه على صفحات الاهرام فى شهرى ابريل ومايو الماضيين حول وثائق العلاقات المصرية السوفيتية»، التى ثمة من يقول انها لم تغير وحسب تاريخ وأسس العلاقات الدولية، بل أيضا جغرافية المنطقة، وهو ما سنحاول الخوض فى تفاصيله من واقع وثائق وسجلات المؤسسات السوفيتية الروسية.

كانت الاحداث التى شهدتها المنطقة ابان سنوات الوحدة بين مصر وسوريا دفعت بالعلاقات بين مصر والاتحاد السوفيتى الى مجرى التوتر والخلافات ولم تكن مضت طويلا على درب الاتفاق، تحت وقع الحملات المضادة من جانب الشيوعيين السوريين، وكذلك الرئيس عبد الكريم قاسم والشيوعيين العراقيين. وزاد من حدة ذلك التوتر جنوح القيادة الحزبية السوفيتية صوب تبنى توجهات الرفاق، وتأييدهم فى مواجهة القوميين ممن كانوا يحظون بتأييد عبد الناصر، فضلا عن بدء حملة اعتقالات الشيوعيين المصريين فى عام1958، ما كان فى صدارة اسباب حملات التلاسن الكلامية بين الزعيمين ناصر وخروشوف.

وكان الزعيم السوفيتى نيكيتا خروشوف قد انتقد سياسات عبد الناصر ومواقفه من الشيوعيين العرب والمصريين فى تقريره الذى قدمه الى المؤتمر الحادى والعشرين للحزب الشيوعى السوفيتى فى 27 يناير 1959، فى معرض رده على خطاب عبد الناصر فى 23 ديسمبر 1958 فى بورسعيد بمناسبة ذكرى الانتصار على العدوان الثلاثي، وعلى ما سبق واتهم به الحزب الشيوعى السورى بمحاولة اجهاض الوحدة والعمل ضد فكرة القومية العربية.

فلم يكن خروشوف ليستطيع وبطبيعة الحال الصمت تجاه كل هذه الاتهامات فى حق الرفاق من الشيوعيين العرب فى مثل هذه المناسبة بالغة الاهمية.

قال خروشوف:

لقد شهدت مصر ونتيجة تعبئة جهود كل القوى الوطنية نجاح النضال من اجل طرد المستعمرين، ومن اجل تأميم قناة السويس. كما رحبت كل القوى البشرية التقدمية بحركة التحرر الوطنى فى مصر.

وفى العراق جرى طرد الطغمة الرجعية التى كانت تقوم على خدمة الإمبريالية، بينما تم اعلان قيام الجمهورية المستقلة. وقد أيد الشعب السوفيتى وشعوب كل البلدان الاشتراكية النضال العادل للشعوب العربية، فيما لقى التعاطف الحار من جانب المواطنين السوفيت ابرز شخصيات هذه الحركة وهما جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة وعبد الكريم قاسم رئيس الحكومة العراقية.

أن بلادنا شأن البلدان الاشتراكية الاخرى دعمت وتدعم حركة التحرر الوطني. ولم يتدخل الاتحاد السوفيتى ولا يعتزم التدخل فى الشئون الداخلية للبلدان الاخري. لكننا لا نستطيع التزام الصمت تجاه ما يحدث فى بعض الدول ومات يجرى من حملات ضد القوى التقدمية تحت شعارات زائفة معادية للشيوعية.

ولما كانت صدرت فى الجمهورية العربية المتحدة منذ زمن غير بعيد أفعال مضادة للافكار الشيوعية، وجرى توجيه الاتهامات ضد الشيوعيين ، فإننى وكشيوعى فى مؤتمرنا للحزب الشيوعى أرى انه من الضرورى اعلان انه من غير الصحيح توجيه الاتهام للشيوعيين بانهم يعملون من اجل اضعاف او فرقة الجهود الوطنية فى النضال ضد الإمبريالية. وعلى العكس .. فليس هناك اناس اكثر ثباتا وصمودا من القوى الشيوعية فى النضال ضد المستعمرين. (تصفيق حاد متواصل).

كما انه لايوجد من هو اكثر ثباتا وصمودا فى النضال ضد الامبريالية من القوى الشيوعية. وليس من قبيل الصدفة ان الامبرياليين يوجهون سهامهم ضد الحركة الشيوعية.

إن النضال ضد الاحزاب الشيوعية والتقدمية الاخرى قضية رجعية ، كما ان انتهاج سياسة معاداة الشيوعية لا توحد القوى الوطنية، بل تفرقها. ولعله من السذاجة ايضا مساواة الشيوعية بالصهيونية. فمن المعروف للجميع ان الشيوعيين بما فى ذلك داخل اسرائيل يخوضون النضال ضد الصهيونية. ومن غير المنطقى ان نرى فى كل شئ دسائس الشيوعيين.

وقال ايضا : انه يوجد أكثر من 32 مليوناً أعضاء فى الأحزاب الشيوعية فى 83 دولة بينما نفى أن يكون الاتحاد السوفيتى يقوم بتوجيه الأحزاب الشيوعية الأجنبية.

فماذا كان رد عبد الناصر على مثل هذا الخطاب؟

ولقد كان الأمر الذى استوجب التصريحات التى لم تقع منكم موقع الرضاعن الحقيقة فى أمر العدوان الثلاثي؛ أن إذاعات تنطق باسمكم، وصحفاً تصدر فى بلادكم، راحتوسط مناقشات بيننا وبين الحزب الشيوعى السورى تعود بالفضل كله إلى هذا الإنذار! وكان واجباً أن أضع دور الشعب المصرى فى مكانه الصحيح.

إننا نقدر موقفكم ونفهم دوافعه، ولم يخطر ببالنا أن نطلب منكم أن تدخلوا حرباً عالمية من أجلنا!

لقد اتهمتونا بالتدخل فى الشئون الداخلية لغيرنا، بل أيضا فى شئون الاتحاد السوفيتي!

وبالنسبة للوحدة فقد كانت الشواهد تشير إلى أن الاتجاه الجديد إليها لا يلائم ميولكم ورغباتكم. وقد كان موقف الحزب الشيوعى من الوحدة؛ أنه لم يتقبل الإجماع الشامل للشعب السورى على قيامها، وكان النائب الشيوعى خالد بكداش هو الوحيد الذى فضل أن يهرب، ثم وجدناه يلجأ إلى بعض بلدان الكتلة الاشتراكية. وأخيراً وقف بجواركم فى احتفال المؤتمر الـ21 للحزب الشيوعي، وراح يتهجم على حكومة بلاده، الأمر الذى سبب لنا القلق والانزعاج؛ ومبعثه أن تنتهك مبادئ التعايش السلمى بهذا الشكل العلني!

وكان أيضاً مما يشير إلى اتجاهكم؛ أن الاتحاد السوفيتي، بعد إعلان الوحدة فى أول فبراير 1958من القاهرة، ظل أكثر من أسبوعين حريصاً على الامتناع عن إبداء رأيه فيها.

ولقد كانت ثورة العراق بداية للأزمة الطارئة على علاقاتنا، وإن كان الكثير مما ورد فى خطابكم، قد فتح عيوننا إلى أن أسباب سوء الفهم بيننا كانت تمتد إلى ما قبل هذه الثورة بكثير!

ومن عجب أننا نسمع من دوائر مختلفة هجوماً على القومية العربية كأساس! إن التضامن مع ثورة العراق بدأ منذ وقت طويل؛ فإن عدداً من قادة ثورة العراقوبينهم قاسم رئيس الحكومة العراقيةقد اتصلوا بنا قبل الثورة، وطلبوا أن نساعدهم فى تخطيطها. وكانت نصيحتنا إليهم؛ أن يحفظوا أمرهم سراً حتى علينا، وألا ينشدوا العون إلا من شعبهم، وألا يتولى وضع خطة الثورة إلا الذين سوف يقع عليهم عبء تنفيذها.

وبعد أن نجحت ثورة العراق، أراد الحزب الشيوعى العراقى انتهاز الفرصة للسيطرة عليها؛ فاستغل خلافاً شخصياً نشب بين قاسم ونائبه عارف؛ لكى يخلق جواً من البلبلة يساعده على تحقيق أغراضه!

وقد أدهشنى أنك فى خطابك ناقشت ما قلته فى إحدى خطبي؛ من أن الشيوعيين أتباع يتلقون التعليمات من الخارج! ولقد كان توحد الأحزاب الثلاثة الشيوعية الموجودة فى مصر، هو الذى فرض عليَّ، يوم الاحتفال بالجلاء عن بورسعيد فى 23 ديسمبر الماضي، أن أشير إلى النشاط المعادى للوطن الذى تقوم به المنظمات الشيوعية.

وقد شرحنا أن هجومنا لا يتجه إلى الشيوعية كعقيدة؛ لأن ذلك ليس من شأننا، كذلك كان هجومنا لا يتعدى هؤلاء الذين يدعون الشيوعية فى بلادنا، ولكن محاولاتنا لم تكن كافية لشرح وجهة نظرنا!

وقد أرسلت لكم رسالة مع سفيركم ديمترى كيسيليف؛ أشرح لكم فيها أن صداقة الشعوب العربية لكم لا ترجع إلى نشاط الأحزاب الشيوعية، بل هى بالرغم من هذه الأحزاب الشيوعية!

ثم جاء خطابكم فى تكريم الوفد العراقى فى 16 مارس 1959، وبدا منه أنكم غيرتم موقفكم؛ فبعد أن كنتم تتعاملون مع القوى الوطنية بدأتم الآن تفضلون التعامل مع الأحزاب الشيوعية. وقد كان من العجيب أن تتصدى بنفسك للدفاع عنهم وتبرير تصرفاتهم!

ويتلخص الموقف الآن فيما يلي: أننا وجدنا أنفسنا مرغمين على الدفاع عن بلادنا ضد نشاط المنظمات الشيوعية داخل حدود (الجمهورية العربية المتحدة )، وضد مساندتك شخصياً لهذا الحزب، ثم فى وجه الحرب العنيفة من جانب الأحزاب والمنظمات الشيوعية فى العالم.

هذه كانت الرسالة التى رد عبد الناصر من خلالها على اتهامات وانتقادات خروشوف. لكنها لم تكن وبطبيعة الحال القول الفصل فى علاقات ابدى الجانبان تمسكهما بضرورة تطويرها واعادتها الى سابق عهدها فى اطار الصداقة والتعاون المتكافئ والتفاهم المتبادل بعيدا عن التدخل فى الشئون الداخلية .

وذلك ما اكدته الكثير من الوثائق التى اطلعنا عليها فى ارشيف وزارة الخارجية السوفيتية ومنها رسالة السفير يفجينى كيسيليوف الى وزارة الخارجية السوفيتية حول لقائه فى القاهرة مع ابو نصير وزير الشئون البلدية والقروية فى 30 مايو 1959 ، تحت رقم 172 بتاريخ 5 يونيو 1959 تحمل خاتم سري.

فى هذه الرسالة اشار السفير السوفيتى الى ان الوزير المصرى فسر النبرة الحادة لخطاب عبد الناصر فى بور سعيد بقوله: ان الخطاب وما تضمنه كان عمليا ذروة حالة الغضب التى كانت تعتمل فى نفس عبد الناصر منذ بداية عام 1958، تحت تأثير تقارير عبد اللطيف البغدادي، والعمرى رئيس البنك الاهلى والتى كانت تقول ان الاستمرار فى التوسع فى العلاقات الاقتصادية مع الاتحاد السوفيتى والمعسكر الاشتراكى لن يسفر عن شىء طيب لمصر، الى جانب التوصية بضرورة التحول صوب الغرب.

واشار ابو نصير ايضا الى ما نشرته صحيفة الفيجارو الفرنسية، يومى 30 ، 31 مارس 1958 تمن تقارير حول سلبيات التعاون الاقتصادى مع الاتحاد السوفيتى والبلدان الاشتراكية. وقال ان هذه اللحظات كانت مقدمة لاعداد خطة ابعاد مصر عن الاتحاد السوفيتي، بينما كان مطلوب اختيار التوقيت لبدء الحديث عن نقاط الاختلاف فى توقيت مواكب لنشر الاخبار حول احتمالات تقديم المانيا الغربية للقروض المالية الى مصر.

ومضى السفير السوفيتى ليشير الى ما قاله ابو نصير حول ان البلدان الغربية تحاول ابعاد ناصر عن الاتحاد السوفيتى ، وان عبد الناصر يجنح نحو الانفراد باتخاذ القرار بعد ابعاد مجلس قيادة الثورة عمليا ، وفى ظل تدهور العلاقات بين الجمهورية العر بية المتحدة مع البلدان العربية وتزايد الضغط الغربى عليها.

وتوالت اللقاءات التى كان اهمها من حيث المعنى والتوقيت، هو لقاء عبد الناصر مع السفير السوفيتى كيسيليوف بعد عودته من موسكو مكلفا بمهمة زيارة عبد الناصر حاملا رسالة الزعيم نيكيتا خروشوف .

حول هذا اللقاء الذى جرى فى اول يونيو 1959 ، واوجزه السفير كيسيليوف فى رسالته الى الخارجية السوفيتية تحت رقم 176 بتاريخ 5 يونيو قال كيسيليوف: انه زار عبد الناصر بتعليمات من موسكو وابلغه بمجريات مؤتمر جنيف وما يمكن ان تسفر عنه هذه المجريات لخدمة المصالح المصرية. واضاف قوله:

سألنى ناصر وبدون مقدمات تذكر عما اذا كنت اطلعت على رده على خطاب خروشوف . وحين قلت اننى لم اطلع بعد ولا استطيع ان اقول شيئا عن رد فعل الحكومة الروسية تجاه هذه الرسالة. قال ناصر انه تلقى معلومات تفصيلية من السفير القونى حول حديثه مع خروشوف. وللحقيقة ان هذا الحديث دار قبل ان يعرف خروشوف جوهر هذا الخطاب ، لكن السفير قال لخروشوف الكثير من الملاحظات المهمة والتى تستحق النظر، ومنها ان ناصر شأن خروشوف يرى ضرورة تجاوز فترة الاتهامات المتبادلة والتوجه صوب المستقبل . غير انه وحتى لا توجد انطباعات غير صحيحة نتيجة معلومات خاطئة، حيث يرى انه من الضرورى ان يشرح مرة اخرى بشأن الماضى القريب.

ومضى السفير، ليضيف:

قال عبد الناصر ان خروشوف يؤكد على سبيل المثال اننى قررت مهاجمة الشيوعية، وانه مضطر مرة اخرى الى تأكيد اننى كنت اتحدث فى بورسعيد لا عن الشيوعية بوجه عام، بل عن الحزب الشيوعى السورى الذى كان بدأ فى ذلك الحين بل وقبل ذلك بكثير نشاطا تخريبيا ضد افكارى حول القومية العربية. وعلى الرغم من انتقادات خروشوف ومحى الدينوف(سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السوفيتى لشئون العالم الثالث) فى المؤتمر 21 للحزب الشيوعى السوفيتى ، فاننا فضلنا عن الرد على هذه الانتقادات، عدا ما يتعلق بما كتبه محمد حسنين هيكل فى الاهرام.

واضاف عبد الناصر: انه كانت هناك خطابات كثيرة لهما بعد ذلك، ولم اتناول لا الشيوعيين ولا الاتحاد السوفيتى ردا عليهما. اما فى 21 فبراير وبعد ان تلقيت رسالة خروشوف القيت خطابا تناولت فيه هذه العلاقات بين ج ع م والاتحاد السوفيتي، وقد لقى هذا الخطاب الذى القيته فى 21 فبراير صدى طيبا لدى كل مواطنى الجمهورية العربية المتحدة .

وقد ظل الحال هكذا حتى 8 مارس تاريخ انتفاضة الموصل حيث كال الكثيرون بهذه المناسبة الاتهامات والانتقادات ضد عبد الناصر من جانب الشيوعيين العراقيين. قال انه وبعد بعض التردد اضطر فى 11 مارس الى مهاجمة الشيوعيين العراقيين. قال ان خروشوف وخلال استقباله للوفد العراقى فى موسكو فى 16 مارس وجه اليه الكثير من الانتقادات، دون ان يلحظ ان الشيوعيين العراقيين طالبوا بتحرير سوريا، بل ومصر ايضا من طغيان عبد الناصر.

واضاف عبد الناصر انه سبق وقال لى انه لا ينوى ولم يكن ينوى ضم العراق الى الجمهورية العربية المتحدة واستطرد عبد الناصر فى حديثه وهو يلوح برسالة السفير القونى حول حديثه مع خروشوف ليقول فى اطار محاولات تبرير وتفنيد ما قاله خروشوف فى حديثه مع القوني. قال ان القونى كتب اليه يقول ان خروشوف استرعى انتباهه ما نشرته صحافة القاهرة وما شنته من حملات عدائية للسوفيت . وحاول ناصر ان يؤكد لى انه قبل 16 مارس لم تكن هناك اية حملات معادية ، لكنه وبعد 16 مارس اكد ناصر ودون دليل يعتد به انه لا الاذاعة ولا الصحف هاجمت الاتحاد السوفيتى . اما ماحدث فلم يكن سوى ردا انتقاديا على ما تضمنه خطاب خروشوف ضد الجمهورية العربية المتحدة.

وقال ناصر انه «حين يهاجموننا فلا بد لنا ان ندافع عن انفسنا».واستطرد ليقول ان رسالة القونى تقول ان خروشوف يعتقد فى ان الاحاديث عن الروبل والدولار كانت بمبادرة من الحكومة . واقسم باغلظ الايمان ان ذلك لم يحدث وانه لا يزال هناك فى الجمهورية العربية المتحدة توجد شخصيات كثيرة قادرة على المضاربة بكل الشعارات السياسية . وقرأ ناصر رسالة القونى وما كتبه حول ما قاله خروشوف بشان ان الحملات ضد الشيوعية كانت على امل الحصول على المعونات الاقتصادية مقابل هذه الحملات.

واعلن عبد الناصر انه كان يعتزم مهاجمة الشيوعيين السوريين فى سبتمبر 1958 بهذه المناسبة، وانه وكأنما اوقفته مخاوف ان تساور احدا الشكوك تجاه احتمالات ان يكون ذلك بالاتفاق مع الغرب. ولذا فانه تردد كثير ولم يتحدث الا بعد ان اصبحت ادانة الشيوعية ضرورة ملحة. واضاف انه كان يعرف انه قد يزيد من حدة تعقيد المشكلة بفتح جبهة ثانية ضده. وقال صدقنى انه لا توجد اية اتصالات مع الولايات المتحدة حول الحصول منهم على اية اموال مقابل الحملة ضد الشيوعية.

قال ان ذلك ضد مبادئنا ، فضلا عن اننا نعلم ان يصعب اقناع الغرب بمثل هذه الوسائل ، لانهم يعلمون حتى اليوم ان القومية العربية لا تزال العدو رقم واحد للامبريالية فى الشرق الاوسط .

واستطرد ناصر ليقول ان القومية العربية هى منظومتنا للدفاع ضد الامبريالية وانها لا يمكن ان تكون عدوانية فى جوهرها. ولذا اعتقد ان خروشوف حين بعث برسالته اليً، اخطأ من جانبه فهم وكأنما اعتزم مهاجمة الدول العربية المجاورة عسكريا. ان القومية العربية مهمتها توحيد العرب ضد الامبريالية ولا يمكن ان يكون هناك اى حرب بين العرب وبعضهم.

ومضى ناصر ليقول ان تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة مسألة واردة مثلما هى واردة بالنسبة للاتحاد السوفيتي. وقال اننا نريد تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة، لكن ليس على حساب التجارة بالمبادئ. اننا لسنا عملاء لاى بلد. واعاد الى الاذهان زان القرض الالمانى والاتفاقية الموقعة فى مايو 1958 وأحاديثه مع السفير الامريكى مسائل نوقشت فى الكرملين بالتفصيل مع خروشوف.

وواصل ناصر تبرير موقفه مشيرا الى انه تحدث آنذاك بصراحة وبشكل مستفيض واعاد الى الاذهان ان الصفقة مع الولايات المتحدة حول شراء القمح كانت قبل خطابه فى بورسعيد. وأعلن ان تصورات الحكومة السوفيتية تجاه الغرب غير صحيحة.

وخلص السفير السوفيتى بعد استعراضه لآراء عبد الناصر تجاه العراق وانضمامه الى دولة الوحدة بقوله:

زان الانطباع العام عن الحديث مع عبد الناصر يتلخص فى انه كان يريد ، ولتاريخ علاقاتنا تبرير هجومه ، وان يبقى نظيفا بريئا ، وكأنما لم يفعل شيئا، اما عن العراق فقد حاول عبد الناصر على ما يبدو ان يلعب بورقة «البراءة الُمُهَانة!».

ما قاله السفير السوفييتى فى نهاية رسالته يبدو فى بعض جوانبه بعيدا عن تطلعات من ينشد تنقية الاجواء فى تلك اللحظات الفارقة، التى كانت تشير الى بوادر انفراجة فى العلاقات بين الزعيمين، وهو ما كان يبدو ايضا من توجهات تقدميين مصريين ممن كانوا يترددون على السفارة السوفيتية فى القاهرة ومنهم محمد البندارى رئيس لجنة السلام المصرية والذى نقل السفير السوفيتى كيسيليوف فحوى لقائه معه فى 16 يونيو 1959، فى رسالته التى بعث بها الى الخارجية السوفيتية، فى 21 يونيو.

على ان ما اعقب ذلك من رسائل متبادلة بين ناصر وخروشوف، يقول بتدارك الزعيمين لمغبة التصعيد وضرورة اعلاء العام على الخاص، وهو ما تحقق فى عقب الجدل الذى احتدم بين الزعيمين وما بلغ ذروته فى الرسالة الثانية التى بعث بها خروشوف الى عبد الناصر، والتى نستعرضها ادناه، على ضوء ما يبدو انه كان نتاج جهد بذله الكثيرون من الاصدقاء من اجل تحقيق الهدف الاسمى وطى صفحات الخلاف، فى توقيت شهد ايضا محاولات آخرين من اجل تأجيج نيران هذه الازمة ومنهم كمال الدين حسين وانور السادات حسب تأكيدات السفير السوفيتى كيسيليوف.

على ان الاهم هنا قد يتمثل فى الرسالة التى بعث بها خروشوف الى عبد الناصر فى 19 فبراير 1959 تفى اطار حرص الجانبين على رأب الصدعت والحيلولة دون السقوط فى شرك المزيد من الخلافات بين الجانبين ،

السيد الرئيس المحترم !

اود فى هذه الرسالة المفعمة بالصراحة التى ابعث بها اليكم مشاطرتكم بعض التصورات حول الموضوعات التى جرى التطرق اليها من جانب رجال الدولة فى ج ع م فى احاديثهم مع المسئولين السوفيت.

من واقع حديثكم مع السفير السوفيتى قبيل سفره الى موسكو وكذلك احاديثكم وتصريحاتكم الاخيرة الى الصحافة فى «الجمهورية العربية المتحدة » يظهر لدينا انطباع حول ان الاحداث المعروفة خلال الفترة الاخيرة اثارت لدى حكومة «الجمهورية العربية المتحدة » ولديكم شخصيا القلق تجاه آفاق تطور العلاقات بين بلدينا . كما ان ما يصدر من شكوك عما اذا كان هناك تغير فى مواقف الاتحاد السوفيتى نحو حركة التحرر الوطنى العربية. واعتقد من وجهة نظرنا انه يجب ان يسود الوضوح الكامل تجاه مثل هذه القضايا المهمة.

انتم تعلمون سيادة الرئيس ان علاقات طيبة تجمع بين الدولتين وان ذلك لعب دورا مهما فى الذود عن مصالح السلام والامن لدول المشرق مثلما حدث ابان ايام ازمة السويس او خلال ايام الاعداد للهجوم ضد سوريا ، حين عمل بلدانا سويا من اجل صد هجوم القوات المشتركة للمستعمرين ضد حرية الشعوب العربية التى كانوا قد حصلوا عليها من خلال الكثير الصعوبات والتضحيات. كما ان تعاوننا المشترك ساعد كذلك على تقويض الاحتكارات القديمة لرؤوس الاموال الاجنبية الكبيرة فى الحياة الاقتصادية لبلدان الشرق الاوسط ، ونحن سعداء بصدق لما تحققه هذه الشعوب من نهضة فى الاقتصاد الوطني.

لقد حدث مثل هذا التعاون المثمر رغما وكما يعلم الجميع، عن اختلاف توجهاتنا الأيديولوجية. وحين نتحدث عموما عما يجمعنا فى النضال من اجل السلام وضد قوى الامبريالية والاستعمار فاننا نسعى فى الاتحاد السوفيتى وبطبيعة الحال نحو عدم تأكيد الخلافات الايديولوجية القائمة. لكنكم آثرتم فى بور سعيد ضرورة الافصاح عن رايكم تجاه هذه القضايا. ولذا فقد كنا مضطرين ازاء ذلك وفى مؤتمرنا الحزبى ان نقول راينا . ومن الواضح ان كلا منا بقى عند رأيه . وليس فى ذلك اى شيء مفاجئ.

ولما كنت اعرفكم كشخصية سياسية على مدى العديد من الاعوام فاننى اود ان أعرب عن املى فى ألا يستطيع الامبرياليون العثور على ثغرة بيننا يستطيعون من خلالها ضرب وحدة شعوب بلدينا فى النضال ضد الاستعمار. وهل يوجد اساس لاعتبار انه لم تعد هناك اخطار تهدد الجمهورية العربية المتحدة والبلدان العربية الاخرى من جانب البلدان الامبريالية التى تسن سكاكينها اليوم مثلما كانت تفعل بالامس، ضد حريات واستقلال البلدان العربية؟. وهل من الممكن اعتبار انه قد تحققت بالفعل المهمة الصعبة لنهوض اقتصاد هذه البلدان، وتصفية التبعات المريعة التى خلفها الاستعمار فى السنوات الماضية؟ وهل من الممكن القول انه لم تعد هناك حاجة الى توحيد الصف ضد القوى الامبريالية من اجل تقرير مهمة النضال ضد الاستعمار التى لا تقل اليوم اهمية عن الامس، وبالدرجة الاولى توحيد جهود البلدان المستقلة فى الشرق مع الاتحاد السوفيتى وكذلك البلدان الاشتراكية الاخري؟

وتوقف خروشوف عند شائعة تدبير الاتحاد السوفييتى لمحاولة اغتيال عبد الناصر:

اننا نعلم ان الصحافة الفرنسية والانجليزية روجت منذ زمن غير بعيد ونقلا عن مصادر يوجوسلافية اخبارا تقول بان هناك من يدبر محاولة اغتيالكم، مشيرين وبشكل غير مباشر، فى هذا الصدد الى الاتحاد السوفيتي. انهم بمثل هذه الاكاذيب التى تستهدف وبشكل واضح صرف انظاركم عما يجرى حولكم، كانوا قد اغفلوا الاشارة الى واقع ان عملية الاغتيال كانت من تدبير المخابرات الفرنسية والاسرائيلية، على الرغم من انهم كانوا يعرفون ذلك. انهم يمدونكم بمعلومات حول التغلغل الشيوعى فى اليمن الذى يدعون ان الخبراء السوفييت يقومون به على نفس النحو الذى حاولوا من خلاله تخويف القيادات اليمنية بانباء حول الطموحات الموالية للشيوعيين للرئيس عبد الناصر، وحول الدور الخاص الذى ينسبونه الى الخبراء السوفيت ممن دعتهم الحكومة المصرية للمشاركة فى عملية بناء عدد من المشروعات داخل الجمهورية العربية المتحدة».

واستطرد خروشوف ليقول:

اما عن الاتحاد السوفيتى والحكومة السوفيتية فقد ايدناكم ونؤيدكم فى نضالكم العادل ضد الاستعمار، من اجل الاستقلال والحقوق المشروعة للجمهورية العربية المتحدة. كما ان موقفنا منكم ومن البلد الذى تترأسونه لا يتغير تبعا للظروف السياسية المؤقتة او اية تحولات اخري. ونحن نعرفكم شخصيا كشخصية بارزة لحركة تحرر الشعول العربية من اضطهاد المستعمرين. وقال: ان الاتحاد السوفيتى وبكل الاخلاص ايد ويؤيد وسوف يؤيد هذا النضال.

وفيما استعرض خروشوف بعض جوانب حديث عبد الناصر مع السفير السوفيتى فى القاهرة الذى اكد فيه ان حكومة الجمهورية العربية المتحدة لا تنوى تغيير سياسات الصداقة مع الاتحاد السوفيتي، قال انه يسعده من جانبه ان يشير الى التعاون بين البلدين الذى قال انه يتطور بنجاح فى المجالات الاقتصادية والثقافية، وانهم فى الاتحاد السوفيتى ينوون مواصلة توسيعه ودعمه. وعاد الزعيم السوفيتى الى مباحثات عبد الناصر فى موسكو ليقول انها جرت فى اجواء الصراحة والتفاهم المتبادل. وتوقف عند ما قاله حول وجهة نظره فى الوحدة بين مصر وسوريا:

طرحت انذاك فى هذا الصدد ولعلكم تذكرون حسبما اعتقد فكرة اننا نعتقد ان الوحدة بين مصر وسوريا شابه بعض التعجل نظرا لانها لم تراع بالدرجة الكافية كل خصائص وحدة البلدانت . وقد افصحنا عن رأينا هذا باخلاص، سعيا من جانبنا وفى اطار روح الصداقة من اجل المساعدة فى بناء الدولة الجديدة ودرء ظهور المصاعب المحتملة. غير انكم وكما تشهدون بنفسكم ان التسرع تسبب فى نتائج غير مرجوة. ان الخبرة التى اكتسبتها بلدان كثيرة بما فى ذلك الاتحاد السوفييتى تؤكد امكانية العثور على السبل الفعالة لتلافى اسباب ظهور مثل هذه الصعاب من خلال مراعاة السمات الخاصة لتطوير مختلف مناطق الجمهورية العربية المتحدة .

اما عن الموقف من علاقة «الجمهورية العربية المتحدة » من الشيوعية فان الاتحاد السوفيتى لم يتدخل ولا يعتزم التدخل فى الشئون الداخلية للجمهورية العربية المتحدة، على الرغم من انكم سيادة الرئيس حين توجهتم نحو التقارب بين بلدينا كنتم تعرفون بلا شك اننا شيوعيون واننا لا نستطيع التعاطف مع سياسة مناهضة الشيوعية، التى نعتبرها تاريخيا غير صحيحة ولا امل منها، ومن ثم لا يوجد هنا اى جديد لا بالنسبة لكم ، ولا بالنسبة لنا .

 

الرسائل السرية بين «ناصر وخروشوف» هدى جمال عبدالناصر الخميس 14-11-2013 21:43

Info

 
 
 
 

 

قامت حملة إعلامية متبادلة بين جمال عبدالناصر وخروشوف بعد الوحدة المصرية- السورية بعدة أشهر، وذلك رغم معاكستها لمصلحة كلا البلدين؛ فبالنسبة للاتحاد السوفيتى، فقد دخل منطقة الشرق الأوسط عن طريق بيع الأسلحة لمصر، بعد أن ماطل الغرب معها لأكثر من ثلاث سنوات، انتهزت فيها إسرائيل الفرصة لتقوم باعتداءات متكررة على حدودها مع مصر.

ثم توثقت العلاقات بين مصر والاتحاد السوفيتى من خلال تقديمه قرضاً إلى مصر لتمويل بناء السد العالى، بعد أن سحبت الولايات المتحدة عرضها فى هذا الخصوص. وتبع ذلك نمو التعاون بين البلدين فى تنفيذ البرنامج الصناعى الضخم فى مصر، ثم فى دولة الوحدة بعد ذلك. وكل ذلك كان يعنى مزيداً من النفوذ السوفيتى فى الشرق الأوسط.

إذن المصالح المشتركة هى التى جمعت بين مصر والاتحاد السوفيتى، وتوثقت العلاقة نتيجة لأخطاء الغرب المتكررة؛ الناتجة عن الفكر الاستعمارى فى علاقته بالدول المتحررة حديثاً فى ذلك الوقت.

أولاً: كيف بدأت الأزمة مع خروشوف؟

1- عبدالناصر يهاجم الحزب الشيوعى السورى:

كان ذلك عندما هاجم عبدالناصر الحزب الشيوعى السورى فى خطابه الجماهيرى فى عيد النصر ببورسعيد فى 23 ديسمبر 1958، فقال: «قامت الرجعية ضد الوحدة، وقام الحزب الشيوعى فى سوريا يعمل ضد الوحدة وضد القومية العربية، ولكن قوتكم وقوة الشعب العربى فى سوريا جعلتهم يدخلون فى الجحور، ويهربون من مواجهة الشعب، وقامت الوحدة، وأُجرى الاستفتاء، وكان هناك إجماع من الشعب العربى عليها… إننا، منذ قامت الوحدة، أعلنَّا أن الأمة يجب أن تكون اتحاداً قومياً، يجب أن نوحِّد جهودنا ضد الصهيونية والاستعمار، ولن نستطيع أن نحاربهما إذا كُنَّا نحارب أنفسنا!

ولكن الحزب الشيوعى فى سوريا رفض هذا، وأعلن أنه لا يقبل أن يتحد مع الأمة فى وحدة قومية وفى اتحاد قومى.. بل رفض أيضاً القومية العربية والوحدة العربية، وأعلن بعض أفراده فى الأسبوع الماضى أنهم ينادون بالانفصال!

إننا بوحدتنا التى آمنَّا بها.. بوحدة هذا الشعب، سنقاوم كل من يعمل ضد الوحدة والقومية العربية».

أثار خطاب عبدالناصر هذا موسكو، وبدأ الشيوعيون هجومهم على الجمهورية العربية المتحدة؛ بهدف إفشال الوحدة التى كانت ضد مصالحهم.

وكان الحافز الجديد فى هذا المجال هو ثورة العراق. لقد وقف الشيوعيون مع القوى الوطنية يؤيدونها، ثم تحركت المنظمات الشيوعية المحلية إلى العمل؛ خوفاً من أن يتكرر فى بغداد ما حدث قبله فى دمشق.

2- موقف عبدالناصر من الشيوعية فى «ج ع م»:

كتب عبدالناصر بخط يده فى أوراقه الخاصة تقدير موقف عن الشيوعية فى «ج ع م»: إن الشيوعيين يتبعون سياسة معادية للحكومة فى «ج ع م»؛ سواء فى الإقليم الجنوبى أو الشمالى. وتتلخص هذه السياسة فى استغلال العلاقة مع الاتحاد السوفيتى؛ لتوسيع نشاط الحزب الشيوعى فى مصر وسوريا، وتأييد السياسة الخارجية، والتأكيد على صداقة الاتحاد السوفيتى.

وقد حاولت الأحزاب الشيوعية فى «ج ع م» إشراك القاعدة الجماهيرية فى نشاط الحزب الشيوعى؛ أساساً بين العمال والفلاحين والطلبة، بالإضافة إلى العمل على تأليب الجماهير على الحكومة؛ وذلك بإثارة المشاكل الداخلية، ونقد كل أعمال الحكومة، وفى نفس الوقت بث الإشاعات.

وقد اتفق الحزب الشيوعى فى مصر مع الأحزاب الشيوعية فى سوريا والعراق، وتبنوا سياسة ضد الوحدة ومهاجمتها، والدعوة إلى اتحاد فيدرالى، وتعدد الأحزاب، وتشكيل جبهة وطنية تشمل الحزب الشيوعى، حتى يجدوا الفرصة للسيطرة على التنظيمات الشعبية، كما هاجموا الاتحاد القومى بكل قوة؛ على أساس أنه حزب البورجوازية الديكتاتورية!

إنهم يواجهون القومية العربية بحرب مضادة؛ كخلق القومية الكردية، والبعد عن فكرة القومية إلى فكرة الوطنية.

3- تصاعد الخلاف بين عبدالناصر وخروشوف:

ظهر ذلك فى مناسبة المؤتمر الـ21 للحزب الشيوعى السوفيتى بقصر الكريملين، فى 27 يناير 1959 عندما قال خروشوف: «إن هناك وجهات نظر متباينة بين الروس وبعض زعماء (ج ع م)، ولكن هذا لا يؤثر على العلاقات الودية بين بلادنا، وكفاحنا المشترك ضد الاستعمار. إننا لا نستطيع أن نظل نلزم الصمت أمام الحملة التى نظمت فى بعض بلاد ضد التقدميين؛ تحت ستار مقاومة الشيوعية الزائف!

ولما كانت قد صدرت أخيراً بيانات ضد الآراء الشيوعية فى (ج ع م)، واتهامات وُجهت ضد الشيوعيين؛ فإنى- بوصفى شيوعياً- أرى أنه من الضرورى أن أعلن فى هذا المؤتمر الذى يعقده حزبنا الشيوعى؛ أن من الخطأ اتهام الشيوعيين بالقيام بأعمال تساعد على الإضرار بالجهد القومى، وبث الفرقة فى الكفاح ضد الاستعمار».

واستطرد خروشوف قائلاً: «إن قادة العرب المبرزين؛ أمثال الرئيس جمال عبدالناصر، واللواء عبدالكريم قاسم – رئيس وزراء العراق – قد كسبوا عطف الشعب السوفيتى الحار».

وقال: «إنه يوجد أكثر من 32 مليوناً أعضاء فى الأحزاب الشيوعية فى 83 دولة». ونفى أن يكون الاتحاد السوفيتى هو الذى يوجه الأحزاب الشيوعية الأجنبية.

لقد كان خطاب خروشوف له مغزى ومعان؛ أثرت بلا شك على العلاقات بين «ج ع م» والاتحاد السوفيتى.

وهنا وجد عبدالناصر نفسه فى موقف لا يحسد عليه؛ فقد أصبح خصماً للشيوعية، ودارت بينهما معارك فى الصحافة والإذاعات، وهو فى نفس الوقت عدو للغرب الذى يهاجمه إعلامياً بشراسة! ومثل على ذلك المحطات الموجهة ضده؛ مثل «صوت الإصلاح» و«صوت مصر الحرة»، وكذلك الإذاعة البريطانية وراديو باريس، وصوت لبنان؛ التى تسيطر عليها بريطانيا، هذا بالإضافة إلى الحملات المضادة لـ«ج ع م» فى الصحافة البريطانية والفرنسية.

لقد كان من الطبيعى أن يقلق عبدالناصر من هذا الصراع الإعلامى بينه وبين خروشوف، الذى سبق أن أعلن فى 23 أكتوبر 1958؛ أن الاتحاد السوفيتى سيقدم قرضاً بمبلغ 400 مليون روبل إلى «ج ع م» للمساهمة فى تمويل السد العالى، وتم فعلاً البدء فى تنفيذ المشروع فى 26 نوفمبر 1959. وفى نفس الوقت كان الاتحاد السوفيتى يمول برنامج التصنيع المصرى.

إلا أن كل ذلك لم يمنع عبدالناصر من الانتصار لمبادئه، واتباع سياسة تنبع من المصالح القومية، والإصرار على الاستقلال الحقيقى وعدم التبعية لأى من القوى الكبرى.

وفى خطاب فى وفود لبنان بدمشق، بتاريخ 15 مارس 1959، هاجم عبدالناصر الشيوعيين قائلا: «هناك فئة تحاول أن تستغل تعبئة الشعب العربى ضد الاستعمار؛ لتنفث سمومها داخل الأمة العربية؛ لتسيطر سيطرة جديدة، ولتكون التبعية. وكانت هذه الفئة تتمثل فى الشيوعيين العرب الذين آثروا أن يتنكروا لبلدهم ولقوميتهم، والذين رضوا أن يكونوا عملاء، والذين تسلحوا بالانتهازية ومبدأ الغاية تبرر الواسطة، وأرادوا أن يستغلوا كفاح الشعب العربى ليقيموا فى أرجاء الأمة العربية الديكتاتورية الشيوعية؛ المبنية على الدماء».

علق خروشوف على موقف عبدالناصر قائلاً: «يجب أن نعترف بأننا استأنا جميعاً بسبب الخطب التى ألقاها الرئيس جمال عبدالناصر أخيراً فى دمشق، واستخدم فيها لغة الاستعماريين فى حديثه عن الشيوعية والشيوعيين.. لقد وصف الشيوعيين بأنهم عملاء دولة أجنبية، فهل لنا أن نسأل إذن: من هى الدولة التى يمكن أن يقال إن الشيوعيين عملاؤها؟!».

وفى نفس اليوم رد عبدالناصر على خروشوف: «إن دفاع السيد خروشوف عن الشيوعيين فى بلدنا أمر لا يمكن أن يقبله الشعب العربى، ونحن لا نتدخل فى الشؤون الداخلية للاتحاد السوفيتى، أو نساعد فئة منه ضد فئة أخرى. وإن مساندة الشيوعيين فى بلدنا والدفاع عنهم؛ يعتبر تحدياً لإجماع الشعب فى جمهوريتنا».

وتصاعد الموقف أكثر عندما قال خروشوف فى مؤتمر صحفى بالكريملين، فى 19 مارس 1959: «إن الرئيس جمال عبدالناصر قد تحمس أكثر من اللازم، ولكنه عندما هاجم الشيوعية أخذ على عاتقه مهمة ثقيلة فوق طاقته. إذا وُهب الرئيس عبدالناصر صبراً كافياً، وطبق فعلاً مبدأ عدم التدخل فى شؤون العراق والبلدان الأخرى؛ لساعد ذلك على تحقيق الوحدة الحقيقية بين البلدان العربية»!

وفى اليوم التالى مباشرة قال ناصر فى دمشق: «إننا نتسلح بنفس الأسلحة التى هزمنا بها الاستعمار وأعوانه؛ نتسلح بنفس الأسلحة لنهزم الشيوعية والأفكار الشيوعية.. سنتمكن بإذن الله من أن نقضى على الشيوعية والتبعية، ولن يكون هناك استعمار جديد، بعد أن تخلصنا من الاستعمار الغربى.

وإذا تدخل رئيس الحكومة السوفيتية لينصر فئة قليلة من أبناء بلدنا ضد إجماع شعبنا؛ فلا يمكن أن نقبل هذا. إننا أحرار فى وطننا، نقبل المبادئ التى نراها فى مصلحتنا، ونرفض المبادئ التى تمثل التبعية والإلحاد. وبعد أن حصلنا على الاستقلال لا يمكن أن نبيعه أبداً، ولو بملايين من الجنيهات أو الروبلات أو الدولارات!

إننا حينما نعبر عن قوتنا نستمد هذه القوة من بلدنا، لا من أجنبى.. وإننا لم نكن بهذا نعبر عن صغر السن أو الحماس أو الاندفاع – كما يقول خروشوف – ولكنا نعبر عن ايماننا بوطننا.

وإن علق خروشوف على غضبتنا من أجل حريتنا، ومن أجل بلدنا، ومن أجل قوميتنا وعروبتنا؛ علق ببساطة وقال: إن عبدالناصر رجل صغير السن (41 سنة)، متحمس مندفع! وأنا أحب أن أقول اليوم: إن عبدالناصر ليس وحده المتحمس المندفع، ولكن الشعب العربى كله متحمس مندفع، ولولا هذا التحمس ولولا هذا الاندفاع، لما استطعنا أن نحقق هذه المعجزات الكبار، ونحن نعتمد – بعد الله- على أنفسنا».

ثانياً: رسالتان سريتان من خروشوف إلى عبدالناصر:

فى خضم هذه الحرب الدعائية بين الاتحاد السوفيتى و«ج ع م»، أرسل خروشوف رسالتين متتابعتين إلى عبدالناصر. لقد كان الغرض منهما على ما يبدو هو رأب الصدع بين البلدين، وكان ذلك ظاهراً فى الرسالة الأولى، بتاريخ 19 فبراير 1959.

لقد تحدث خروشوف فى هذه الرسالة عن الشكوك التى تولدت لدى عبدالناصر حيال موقف الاتحاد السوفيتى من حركة التحرر الوطنى العربى، والتعاون السابق بين البلدين، على الرغم من أنهما يعتنقان وجهات نظر أيديولوجية مختلفة.

أما بالنسبة لموقف الشيوعيين داخل «ج ع م»، فأكد خروشوف أن الاتحاد السوفيتى لم ولن يتدخل فى الشؤون الداخلية لـ «ج ع م»، على الرغم من أن عبدالناصر عندما شرع فى التقارب مع الاتحاد السوفيتى كان يعرف أنهم شيوعيون، وأنهم لا يمكن أن يتعاطفوا مع سياسة مناهضة للشيوعية!

وفى رسالة خروشوف الثانية إلى عبدالناصر، بتاريخ 12 إبريل 1959، يتضح مدى التصاعد فى الأزمة بينهما؛ من لغة الخطاب والمعانى التى تضمنها.

لقد انتقد خروشوف قول عبدالناصر: إن الشيوعيين فى البلاد العربية يطيعون أوامر صادرة لهم من الخارج، وأنكر ذلك. واستنكر كلام عبدالناصر عن النضال ضد الشيوعية، واعتبره مسألة تتخطى حدود «ج ع م» وتدخلاً فى شؤون الاتحاد السوفيتى!

واعتبر خروشوف أن مسألة الوحدة بين مصر وسوريا شأن داخلى يخص شعبى البلدين، وقد اعترف الاتحاد السوفيتى بالوحدة، ورحب بقيام «ج ع م»، على الرغم من انتقاده ظروف قيامها وتسرعها، وحل الأحزاب بها.

واستخدم خروشوف لغة المستعمرين عندما تحدث عما أسماه «الحملة ضد الاتحاد السوفيتى» فى «ج ع م»! ملوحاً بأن ذلك يؤدى إلى إشكاليات معقدة فى الوفاء بالتزامات الاتحاد السوفيتى؛ بموجب الاتفاق الخاص ببناء السد العالى، وأنه سيكون من الصعوبة تنفيذ التزاماتهم فى مثل هذه الظروف!

وتساءل عن مصير الخبراء السوفييت فى «ج ع م»، وكيف أن المواطنين السوفييت قلقون من أن يتعرضوا لمخاطر الضرر المعنوى، وربما المادى! ومضى خروشوف فى استخدام المساعدات السوفيتية لـ«ج ع م» كوسيلة ضغط على عبدالناصر، بقوله: «ارفضوها»!

وأنهى خروشوف رسالته بأن أعرب عن أمله فى أن يساعد تبادل الآراء بينه وبين عبدالناصر فى تبديد سوء الفهم الذى نشأ بينهما بجهد مشترك من كلا الطرفين.

ثالثاً: رد عبد الناصر على خروشوف:

أرسل عبدالناصر الرد على رسالتى خروشوف، فى 12 مايو 1959 فى جواب سرى لم ينشر- من 63 صفحة (نص الرسائل الثلاث على موقع: www. Nasser.org)- استعرض فيه العلاقات بين البلدين منذ بداية ثورة 1952؛ التى أشارت الصحف والإذاعات السوفيتية إليها فى ذلك الوقت، باعتبارها حركة فاشية!

«إن الثورة المصرية بدأت فى مواجهة الاستعمار وتطويقه قبل أن تتوثق علاقاتها بالاتحاد السوفيتى؛ فقد كان الأمر مبادئ آمن بها قاده الثورة.

ومع احتكار السلاح، طلبته مصر من الاتحاد السوفيتى؛ فتغير موقفه من الثورة الوطنية المصرية، وأصبح يعرفها على حقيقتها، ثم بدأت العلاقات بين البلدين تدخل طوراً جديداً تقوم أسسه على مبادئ التعايش السلمى.

وهكذا دخلت علاقات مصر مع الاستعمار فى مرحلة عنيفة، بدأت بمحاولة عقابها؛ وكان من ذلك سحب عرض المساهمة فى تمويل السد العالى. وكان على مصر أن تصمد، وعادت قناة السويس إلى الشعب الذى حفرها.

وقد قمنا بهذه الخطوة وحدنا، لم نتشاور فيها معكم، وكنا ندرك منذ البداية أن المعركة ستكون عنيفة مضنية. ولقد كان عرفاننا وتقديرنا بالغاً، لما أعلنتم بعد 36 ساعة من تأميم قناة السويس؛ أنكم تؤيدون موقفنا…

وجاء العدوان فى نفس الوقت الذى كنا نستعد فيه للمفاوضات فى جنيف، يوم 29 أكتوبر 1956.

لقد قلت فى خطاب ألقيته فى دمشق: إننا كنا نقف فى مواجهة العدوان الثلاثى فى ميدان القتال وحدنا، لا ننتظر معونة أحد، ولكن هذه العبارة- على ما أحسست من خطابك ومن تصريحات لك- لم تقع منك موقع الرضا!

إنه لم يخطر فى بالى أن أقلل من قيمة الإنذار الذى وجهه بولجانين- رئيس الوزراء السوفيتى فى ذلك الوقت- ولكن لقد كنا فى ميدان القتال وحدنا؛ كان جنودنا فى سيناء يحاربون وحدهم، وكان جيشنا وشعبنا يحاربون فى شوارع بورسعيد وحدهم.

وكانت زيارة شكرى القوتلى لموسكو فى 30 أكتوبر 1956، وأتيحت له فرصة التباحث مع بولجانين بحضور عدد من قادة الاتحاد السوفيتى وكبار ماريشالاته العسكريين. وتلقيت رسالة بعث بها القوتلى حددت موقفكم من العدوان؛ أن الاتحاد السوفيتى غير مستعد لدخول حرب عالمية، وعلى هذا الأساس لا يستطيع أن يتدخل عسكرياً، ولو بإرسال متطوعين، وأن أقصى ما يمكنه عمله لمساعدتنا هو إرسال بعض المعدات إلينا، ومعها بعض الفنيين!

وقد كان ما فعلته؛ أننى نزعت هذه الرسالة من الملف الذى كان يضمها، ووضعتها فى جيبى؛ لأنى لم أشأ أن يطَّلع عليها من قد تتأثر روحه المعنوية بقراءتها، وعادت إلى مكانها كإحدى وثائق الدولة بعد أن انتهت المعركة.

إن هذه الوثيقة شرف لنا؛ فهى خير دليل على أننا حاربنا، ولم نكن فى ميدان القتال وحدنا فقط، وإنما كنا ندرك أننا سنظل وحدنا!

إن الانذار السوفيتى- الذى لا يستطيع أحد أن ينكر أثره- قد صدر من موسكو مفاجأة لنا، بعد أن مرت 9 أيام كنا فيها فى ميدان القتال وحدنا، وكان كل شىء- حتى الإنذار السوفيتى- يتوقف على صمود هذا الشعب، واستعداده للتضحية.

ولقد كان الأمر الذى استوجب التصريحات- التى لم تقع منكم موقع الرضا- عن الحقيقة فى أمر العدوان الثلاثى؛ أن إذاعات تنطق باسمكم، وصحفاً تصدر فى بلادكم، راحت- وسط مناقشات بيننا وبين الحزب الشيوعى السورى – تعود بالفضل كله إلى هذا الإنذار! وكان واجباً أن أضع دور الشعب المصرى فى مكانه الصحيح.

إننا نقدر موقفكم ونفهم دوافعه، ولم يخطر ببالنا أن نطلب منكم أن تدخلوا حرباً عالمية من أجلنا!

لقد اتهمتمونا بالتدخل فى الشؤون الداخلية لغيرنا، بل أيضا فى شؤون الاتحاد السوفيتى!

وبالنسبة للوحدة فقد كانت الشواهد تشير إلى أن الاتجاه الجديد إليها لا يلائم ميولكم ورغباتكم. وقد كان موقف الحزب الشيوعى من الوحدة؛ أنه لم يتقبل الإجماع الشامل للشعب السورى على قيامها، وكان النائب الشيوعى خالد بكداش هو الوحيد الذى فضل أن يهرب، ثم وجدناه يلجأ إلى بعض بلدان الكتلة الاشتراكية. وأخيراً وقف بجواركم فى احتفال المؤتمر الـ21 للحزب الشيوعى، وراح يتهجم على حكومة بلاده، الأمر الذى سبب لنا القلق والانزعاج؛ ومبعثه أن تنتهك مبادئ التعايش السلمى بهذا الشكل العلنى!

وكان أيضاً مما يشير إلى اتجاهكم؛ أن الاتحاد السوفيتى، بعد إعلان الوحدة فى أول فبراير 1958من القاهرة، ظل أكثر من أسبوعين حريصاً على الامتناع عن إبداء رأيه فيها.

ولقد كانت ثورة العراق بداية للأزمة الطارئة على علاقاتنا، وإن كان الكثير مما ورد فى خطابكم، قد فتح عيوننا إلى أن أسباب سوء الفهم بيننا كانت تمتد إلى ما قبل هذه الثورة بكثير!

ومن عجب أننا نسمع من دوائر مختلفة هجوماً على القومية العربية كأساس! إن التضامن مع ثورة العراق بدأ منذ وقت طويل؛ فإن عدداً من قادة ثورة العراق- وبينهم قاسم رئيس الحكومة العراقية- قد اتصلوا بنا قبل الثورة، وطلبوا أن نساعدهم فى تخطيطها. وكانت نصيحتنا إليهم؛ أن يحفظوا أمرهم سراً حتى علينا، وألا ينشدوا العون إلا من شعبهم، وألا يتولى وضع خطة الثورة إلا الذين سوف يقع عليهم عبء تنفيذها.

وبعد أن نجحت ثورة العراق، أراد الحزب الشيوعى العراقى انتهاز الفرصة للسيطرة عليها؛ فاستغل خلافاً شخصياً نشب بين قاسم ونائبه عارف؛ لكى يخلق جواً من البلبلة يساعده على تحقيق أغراضه!

وقد أدهشنى أنك فى خطابك ناقشت ما قلته فى إحدى خطبى؛ من أن الشيوعيين أتباع يتلقون التعليمات من الخارج! ولقد كان توحد الأحزاب الثلاثة الشيوعية الموجودة فى مصر، هو الذى فرض علىَّ، يوم الاحتفال بالجلاء عن بورسعيد فى 23 ديسمبر الماضى، أن أشير إلى النشاط المعادى للوطن الذى تقوم به المنظمات الشيوعية.

وقد شرحنا أن هجومنا لا يتجه إلى الشيوعية كعقيدة؛ لأن ذلك ليس من شأننا، كذلك كان هجومنا لا يتعدى هؤلاء الذين يدعون الشيوعية فى بلادنا، ولكن محاولاتنا لم تكن كافية لشرح وجهة نظرنا!

وقد أرسلت لكم رسالة مع سفيركم ديمترى كيسيليف؛ أشرح لكم فيها أن صداقة الشعوب العربية لكم لا ترجع إلى نشاط الأحزاب الشيوعية، بل هى بالرغم من هذه الأحزاب الشيوعية!

ثم جاء خطابكم فى تكريم الوفد العراقى فى 16 مارس 1959، وبدا منه أنكم غيرتم موقفكم؛ فبعد أن كنتم تتعاملون مع القوى الوطنية بدأتم الآن تفضلون التعامل مع الأحزاب الشيوعية. وقد كان من العجيب أن تتصدى بنفسك للدفاع عنهم وتبرير تصرفاتهم!

ويتلخص الموقف الآن فيما يلى: أننا وجدنا أنفسنا مرغمين على الدفاع عن بلادنا ضد نشاط المنظمات الشيوعية داخل حدود (ج ع م)، وضد مساندتك شخصياً لهذا الحزب، ثم فى وجه الحرب العنيفة من جانب الأحزاب والمنظمات الشيوعية فى العالم».

لقد أصبحت العلاقات بين «ج ع م» والاتحاد السوفيتى مذبذبة، ولكن الاتجاه العام إلى الأسوأ. وانعكس ذلك بدرجة كبيرة خاصة فيما يتعلق بالإمداد بالأسلحة؛ حيث تم إيقاف التسليم ورفع السعر، وأصبح الموقف فيما يتعلق بقطع الغيار على وجه الخصوص سيئاً، وبدأت «ج ع م» تبحث عن مصادر أخرى للسلاح؛ مثل يوغوسلافيا أو الصناعة المحلية.

ومن الواضح أن السوفييت كانوا يتبعون سياسة ضغط، بالرغم من أنها لم تنعكس فى المجال الاقتصادى.

إذن بالرغم من الأزمة بين عبدالناصر وخروشوف- التى استمرت أكثر من سنة- فإن الاتحاد السوفيتى كان حريصاً على ألا تتعدى الحدود، وتؤدى إلى قطيعة بين البلدين.

ولكن درس التاريخ يعلمنا أننا فى علاقاتنا مع الدول الكبرى يجب أن نكون على حذر شديد؛ حتى لا تنقلب إلى تبعية تذكّرنا بتجربة الاستعمار البريطانى الطويلة، التى عانت منها وضحَّت فى سبيل التخلص منها أجيال مصرية بأكملها.

 

 

عبد الناصر يرد على اتهامات خروشوف (3)

 
موسكو ـ د. سامى عمارة
 
 
 
 
فى هذه الحلقة يمضى خروشوف في رحلة الذاكرة ليوضح وجهة نظره فى الشيوعيين بوجه عام بغض النظر عن انتماءاتهم القومية، وكشف عن انه ما دام السيد الرئيس هو الذي طرح هذه القضية فانه يجد لزاما عليه ان يقول ان كل الشيوعيين اذا كانوا شيوعيين حقا، متساوون لانهم ينطلقون في معتقداتم من مبادئ النظرية الماركسية اللينينية.

 

وقال انه ذكر لعبد الناصر انه اذا كان يعتبر الشيوعيين السوفييت ،شيوعيين جيدين واولئك الشيوعيين الاخرين سيئين فانه يكون مخطئا في ذلك. واعاد الى الاذهان بعضا من تاريخ بلاده بما في ذلك ما جرى ابان حكم القيصر وما فعله لينين للاطاحة به على راس مجموعة صغيرة من الجسورين الشجعان. واشار الى ان عبد الناصر قال له آنذاك انه لا يريد تعددا للأحزاب وانه سوف يكتفي شان الحال في الاتحاد السوفييتي بحزب واحد وهو «الاتحاد القومي». وقال خروشوف انه صارحه بان هذا المثال غير موفق، لانه يوجد في الاتحاد السوفييتي حزب واحد لان المجتمع هو مجتمع اشتراكي لا يوجد فيه راسماليين وكبار ملاك ولا يوجد اناس يعيشون على حساب استغلال الاخرين. كما ان الحزب الشيوعي السوفييتي يعبر عن مصالح كل الكادحين وكل الشعب عمالا وفلاحين وانتليجينسيا.

 

وتوقف خروشوف عند ما سبق وقاله حول انه اورد مثالا قال فيه ان الشعب المصري فيه مسلمون مؤمنون وعمال ورأسماليون، وانه سأله عن اي من هؤلاء يؤيد الرئيس عبد الناصر وهو ما لم يجب عليه.

 

وخلص خروشوف في هذه النقطة عند سؤاله عبد الناصر عمن يقف الى جانبهم من هؤلاء العرب وعن كيفية الجمع بين كل هؤلاء في حزب واحد، مؤكدا استحالة انكار الصراع الطبقي وصعوبة حظر انشاء الاحزاب سرية كانت او علنية. وقال ان ذلك لا ينطبق على الجمهورية العربية المتحدة وحدها.

…………………………….

«لقد ادهشتموني عموما بما صدر عنكم علانية حول اننا وكأنما نتدخل في شئونكم الداخلية. ولعلكم تذكرون جيدا سيادة الرئيس انكم قلتم اكثر من مرة في احاديثكم معي في موسكو انكم اقتنعتم عن تجربة شخصية بان الاتحاد السوفييتي لا يتدخل في شئون البلدان الاخرى. وضربتم مثالا على ذلك بسلوك وعمل الخبراء السوفييت في الجمهورية العربية المتحدة مؤكدين انهم يلتزمون تماما في نشاطهم بقضايا تقديم المعونة التقنية. كما انكم وكما تذكرون قلتم انه وعن تجربة اقتنعتم بان الاحزاب الشيوعية لا تدار من موسكو. وقلتم انه وعلى سبيل المثال لا يوجد في مصر حزب شيوعي واحد، بل مجموعات شيوعية متفرقة ولو كان النشاط الشيوعي يدار من الخارج لكان من الممكن ان يكون موجودا حزبا واحدا».

……………………………….

«لن اخفي عليكم ان اكثر ما ادهشنا كان اعلانكم في خطابكم في 22 مارس الذي قلتم فيه انكم اعتمدتم على الله وعلى انفسكم فقط في صد العدوان الثلاثي الانجلو فرنسي اسرائيلي وحتى السادس من نوفمبر، وانكم كنتم وحدكم حتى نهاية القتال وانكم لم تروا اي تلميح بالمساعدة من جانب الاتحاد السوفييتي .

هنا سيادة الرئيس انتم تنتهجون طريق انكار الحقائق الجلية للعيان.

فالجميع يعرفون ان الاتحاد السوفييتي ومن اليوم الاول لازمة السويس اعلن موقفه بحسم ومنطقية للدفاع عن الحقوق المشروعة لمصر فيما قدم كل اشكال الدعم المعنوي والسياسي والمادي الواسع».

……………………………..

 واستعرض خروشوف ما قامت به الحكومة السوفيتية من خطوات في مواجهة الهجوم المسلح من جانب انجلترا وفرنسا واسرائيل، فيما أشار الى الانذار السوفييتي ، فضلا عن تاكيده على ما قدمه الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا قبل ذلك من خطوات للاستجابة لطلب مصر حول امدادها بالاسلحة اعتبارا من 1955. كما اعاد خروشوف الى الاذهان ما كان عبد الناصر اعترف به خلال مباحثاته في الكرملين في مايو 1958. وانتقد محاولات عبد الناصر استخدام الدين لتبرير سياسات الجمهورية العربية المتحدة في معرض الحرب الكلامية ضد الاتحاد السوفييتي وما قام به من ثورة في عام 1917، مشيرا الى ان عبد الناصر لمس بنفسه مدى احترام السوفييت لمشاعره الدينية في العديد من المدن السوفيتية التي يحظى المسلمون فيها بحرية العبادة حسبما لمس بنفسه حسبما يعتقد.        

واختتم خروشوف رسالته بالاعراب عن يقينه في تجاوز كل عوارض الحاضر التي قال انها تحول دون رؤية الاشياء على حقيقتها، بما يمكن معه تطوير التعاون والصداقة شأنما كان الحال في الماضي، ليس فقط بين شعوب الجمهورية العربية المتحدة والاتحاد السوفييتي وحسب بل ومع كل الشعوب المحبة للسلام. 

فماذا كان رد عبد الناصر؟  

قالت الدكتورة هدى عبد الناصر في مقال نشرته على صفحات «المصري اليوم» بتاريخ 15 نوفمبر 2013 :

«أرسل عبدالناصر الرد على رسالتى خروشوف، فى 12 مايو 1959 فى جواب سرى لم ينشر- من 63 صفحة استعرض فيه العلاقات بين البلدين منذ بداية ثورة 1952؛ التى أشارت الصحف والإذاعات السوفيتية إليها فى ذلك الوقت، باعتبارها حركة فاشية!

«إن الثورة المصرية بدأت فى مواجهة الاستعمار وتطويقه قبل أن تتوثق علاقاتها بالاتحاد السوفيتى؛ فقد كان الأمر مبادئ آمن بها قاده الثورة.

ومع احتكار السلاح، طلبته مصر من الاتحاد السوفيتى؛ فتغير موقفه من الثورة الوطنية المصرية، وأصبح يعرفها على حقيقتها، ثم بدأت العلاقات بين البلدين تدخل طوراً جديداً تقوم أسسه على مبادئ التعايش السلمى.

وهكذا دخلت علاقات مصر مع الاستعمار فى مرحلة عنيفة، بدأت بمحاولة عقابها؛ وكان من ذلك سحب عرض المساهمة فى تمويل السد العالى. وكان على مصر أن تصمد، وعادت قناة السويس إلى الشعب الذى حفرها.

وقد قمنا بهذه الخطوة وحدنا، لم نتشاور فيها معكم، وكنا ندرك منذ البداية أن المعركة ستكون عنيفة مضنية. ولقد كان عرفاننا وتقديرنا بالغاً، لما أعلنتم بعد 36 ساعة من تأميم قناة السويس؛ أنكم تؤيدون موقفنا…

وجاء العدوان فى نفس الوقت الذى كنا نستعد فيه للمفاوضات فى جنيف، يوم 29 أكتوبر 1956.

لقد قلت فى خطاب ألقيته فى دمشق: إننا كنا نقف فى مواجهة العدوان الثلاثى فى ميدان القتال وحدنا، لا ننتظر معونة أحد، ولكن هذه العبارة- على ما أحسست من خطابك ومن تصريحات لك- لم تقع منك موقع الرضا!

إنه لم يخطر فى بالى أن أقلل من قيمة الإنذار الذى وجهه بولجانين- رئيس الوزراء السوفيتى فى ذلك الوقت- ولكن لقد كنا فى ميدان القتال وحدنا؛ كان جنودنا فى سيناء يحاربون وحدهم، وكان جيشنا وشعبنا يحاربون فى شوارع بورسعيد وحدهم.

وكانت زيارة شكرى القوتلى لموسكو فى 30 أكتوبر 1956، وأتيحت له فرصة التباحث مع بولجانين بحضور عدد من قادة الاتحاد السوفيتى وكبار ماريشالاته العسكريين. وتلقيت رسالة بعث بها القوتلى حددت

موقفكم من العدوان؛ أن الاتحاد السوفيتى غير مستعد لدخول حرب عالمية، وعلى هذا الأساس لا يستطيع أن يتدخل عسكرياً، ولو بإرسال متطوعين، وأن أقصى ما يمكنه عمله لمساعدتنا هو إرسال بعض المعدات إلينا، ومعها بعض الفنيين!

وقد كان ما فعلته؛ أننى نزعت هذه الرسالة من الملف الذى كان يضمها، ووضعتها فى جيبى؛ لأنى لم أشأ أن يطَّلع عليها من قد تتأثر روحه المعنوية بقراءتها، وعادت إلى مكانها كإحدى وثائق الدولة بعد أن انتهت المعركة.

إن هذه الوثيقة شرف لنا؛ فهى خير دليل على أننا حاربنا، ولم نكن فى ميدان القتال وحدنا فقط، وإنما كنا ندرك أننا سنظل وحدنا!

إن الانذار السوفيتى- الذى لا يستطيع أحد أن ينكر أثره- قد صدر من موسكو مفاجأة لنا، بعد أن مرت 9  أيام كنا فيها فى ميدان القتال وحدنا، وكان كل شىء- حتى الإنذار السوفيتى- يتوقف على صمود هذا الشعب، واستعداده للتضحية.

ولقد كان الأمر الذى استوجب التصريحات- التى لم تقع منكم موقع الرضا- عن الحقيقة فى أمر العدوان الثلاثى؛ أن إذاعات تنطق باسمكم، وصحفاً تصدر فى بلادكم، راحت- وسط مناقشات بيننا وبين الحزب الشيوعى السورى – تعود بالفضل كله إلى هذا الإنذار! وكان واجباً أن أضع دور الشعب المصرى فى مكانه الصحيح.

إننا نقدر موقفكم ونفهم دوافعه، ولم يخطر ببالنا أن نطلب منكم أن تدخلوا حرباً عالمية من أجلنا!

لقد اتهمتمونا بالتدخل فى الشؤون الداخلية لغيرنا، بل أيضا فى شؤون الاتحاد السوفيتى!

وبالنسبة للوحدة فقد كانت الشواهد تشير إلى أن الاتجاه الجديد إليها لا يلائم ميولكم ورغباتكم. وقد كان موقف الحزب الشيوعى من الوحدة؛ أنه لم يتقبل الإجماع الشامل للشعب السورى على قيامها، وكان النائب الشيوعى خالد بكداش هو الوحيد الذى فضل أن يهرب، ثم وجدناه يلجأ إلى بعض بلدان الكتلة الاشتراكية. وأخيراً وقف بجواركم فى احتفال المؤتمر الـ21 للحزب الشيوعى، وراح يتهجم على حكومة بلاده، الأمر الذى سبب لنا القلق والانزعاج؛ ومبعثه أن تنتهك مبادئ التعايش السلمى بهذا الشكل العلنى!

وكان أيضاً مما يشير إلى اتجاهكم؛ أن الاتحاد السوفيتى، بعد إعلان الوحدة فى أول فبراير 1958من القاهرة، ظل أكثر من أسبوعين حريصاً على الامتناع عن إبداء رأيه فيها.

ولقد كانت ثورة العراق بداية للأزمة الطارئة على علاقاتنا، وإن كان الكثير مما ورد فى خطابكم، قد فتح عيوننا إلى أن أسباب سوء الفهم بيننا كانت تمتد إلى ما قبل هذه الثورة بكثير!

ومن عجب أننا نسمع من دوائر مختلفة هجوماً على القومية العربية كأساس! إن التضامن مع ثورة العراق بدأ منذ وقت طويل؛ فإن عدداً من قادة ثورة العراق- وبينهم قاسم رئيس الحكومة العراقية- قد اتصلوا بنا قبل الثورة، وطلبوا أن نساعدهم فى تخطيطها. وكانت نصيحتنا إليهم؛ أن يحفظوا أمرهم سراً حتى علينا، وألا ينشدوا العون إلا من شعبهم، وألا يتولى وضع خطة الثورة إلا الذين سوف يقع عليهم عبء تنفيذها.

وبعد أن نجحت ثورة العراق، أراد الحزب الشيوعى العراقى انتهاز الفرصة للسيطرة عليها؛ فاستغل خلافاً شخصياً نشب بين قاسم ونائبه عارف؛ لكى يخلق جواً من البلبلة يساعده على تحقيق أغراضه!

وقد أدهشنى أنك فى خطابك ناقشت ما قلته فى إحدى خطبى؛ من أن الشيوعيين أتباع يتلقون التعليمات من الخارج! ولقد كان توحد الأحزاب الثلاثة الشيوعية الموجودة فى مصر، هو الذى فرض علىَّ، يوم الاحتفال بالجلاء عن بورسعيد فى 23 ديسمبر الماضى، أن أشير إلى النشاط المعادى للوطن الذى تقوم به المنظمات الشيوعية.

وقد شرحنا أن هجومنا لا يتجه إلى الشيوعية كعقيدة؛ لأن ذلك ليس من شأننا، كذلك كان هجومنا لا يتعدى هؤلاء الذين يدعون الشيوعية فى بلادنا، ولكن محاولاتنا لم تكن كافية لشرح وجهة نظرنا!

وقد أرسلت لكم رسالة مع سفيركم ديمترى كيسيليف؛ أشرح لكم فيها أن صداقة الشعوب العربية لكم لا ترجع إلى نشاط الأحزاب الشيوعية، بل هى بالرغم من هذه الأحزاب الشيوعية!

ثم جاء خطابكم فى تكريم الوفد العراقى فى 16 مارس 1959، وبدا منه أنكم غيرتم موقفكم؛ فبعد أن كنتم تتعاملون مع القوى الوطنية بدأتم الآن تفضلون التعامل مع الأحزاب الشيوعية. وقد كان من العجيب أن تتصدى بنفسك للدفاع عنهم وتبرير تصرفاتهم!

ويتلخص الموقف الآن فيما يلى: أننا وجدنا أنفسنا مرغمين على الدفاع عن بلادنا ضد نشاط المنظمات الشيوعية داخل حدود الجمهورية العربية المتحدة وضد مساندتك شخصياً لهذا الحزب، ثم فى وجه الحرب العنيفة من جانب الأحزاب والمنظمات الشيوعية فى العالم».

لقد أصبحت العلاقات بين الجمهورية العربية المتحدة والاتحاد السوفيتى مذبذبة، ولكن الاتجاه العام إلى الأسوأ. وانعكس ذلك بدرجة كبيرة خاصة فيما يتعلق بالإمداد بالأسلحة؛ حيث تم إيقاف التسليم ورفع السعر، وأصبح الموقف فيما يتعلق بقطع الغيار على وجه الخصوص سيئاً، وبدأت الجمهورية العربية المتحدة تبحث عن مصادر أخرى للسلاح؛ مثل يوغوسلافيا أو الصناعة المحلية.

ومن الواضح أن السوفييت كانوا يتبعون سياسة ضغط، بالرغم من أنها لم تنعكس فى المجال الاقتصادى.

إذن بالرغم من الأزمة بين عبدالناصر وخروشوف- التى استمرت أكثر من سنة- فإن الاتحاد السوفيتى كان حريصاً على ألا تتعدى الحدود، وتؤدى إلى قطيعة بين البلدين.

ولكن درس التاريخ يعلمنا أننا فى علاقاتنا مع الدول الكبرى يجب أن نكون على حذر شديد؛ حتى لا تنقلب إلى تبعية تذكّرنا بتجربة الاستعمار البريطانى الطويلة، التى عانت منها وضحَّت فى سبيل التخلص منها أجيال مصرية بأكملها».

وتتواصل الذكريات نقلا عن وثائق تبقى ابد الدهر ذخرا لكل باحث وساع نحو الحقيقة، في نفس الوقت الذي تظل فيه افضل سبيل لتجاوز الخلافات بين الاصدقاء .

 

 

عن admin

شاهد أيضاً

خط «الغاز العربي»: مخاوف مشروعة من تطبيع غير مباشر مع العدوّ

فراس الشوفي  11 تشرين الأول 2021 استفاق ضمير الملك الأردني عبد الله الثاني بعد سنوات كان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *